داريا ما بعد الأزمة وإعادة الإعمار (2)

182.jpg

تحدثنا في الجزء الأول من هذا المقال عن ضرورة وضع مشروع وطني لإعادة إعمار سوريا بعد سقوط النظام، وعن أهمية وجود مشاريع محلية على مستوى المدن والقرى والمناطق لإعادة إعمار مادمرته آلة الحرب الأسدية على امتداد ساحة الوطن.

كما أشرنا إلى الحاجة الماسة لإطلاق مشروع تنموي لإعادة إعمار داريا بعد الحملة الشرسة والمجزرة الرهيبة التي ارتكبتها قوات الأسد في المدينة والذي يهدف إلى تجاوز الأزمة والتخفيف من آثارها. وذكرنا مكونات هذا المشروع والتي صنفناها في أربع فئات هي:

1. إعادة تأهيل البنية التحتية.

2. إعادة إعمار المساكن والمحال.

3. تنشيط الحركة الاقتصادية.

4. كفالة ورعاية أسر ضحايا الحملة الأخيرة والمتضررين منها.

وتوقفنا بالتفصيل عند المكون الرابع كونه أولوية نتيجة ارتباطه بحياة أشخاص ووجودهم ومعيشتهم، وأشرنا إلى أهمية مساهمة عنصرين في تحقيق هذا المكون، وهما المغتربون والمؤسسات الخيرية.

ونقف اليوم عند المكونات الأخرى لهذا المشروع التنموي المرحلي. ومن الأمثلة الشهيرة والطريفة على تحريك النشاط الاقتصادي ودفع العجلة الاقتصادية الآلية التي تم اتباعها في بعض المناطق من أوربا لمواجهة الكساد الاقتصادي الكبير (1929 – 1933) حيث تم تشغيل العمال بأي عمل كان بحيث يحصلون على أجر – كي لا يتم تقديم الأموال لهم دون مقابل- فكان يُطلب إليهم حفر حفرة أو نفق في اليوم الأول ليحصلوا على أجر ذلك اليوم، ويُطلب إليهم ردم تلك الحفرة في اليوم التالي للحصول على أجره.

وبذلك أصبح بين أيدي العاملين أموال دفعتهم لشراء المنتجات المختلفة فبدأت عجلة الإنتاج بالدوران وأصبح هنالك طلب متزايد على مختلف السلع والمواد والمنتجات مما خلق المزيد من فرص العمل فانتقل العمال من مرحلة الحفر والردم إلى العمل في الإنتاج الحقيقي.

إن هذا المثال وإن كان يبدو مضحكًا أو غير واقعي إلا أنه يمثل أحد الأساليب التي قد تسهم بشكل كبير في حل المشكلة التي يعاني منها الاقتصاد في المدينة حاليًا.

أسباب تراجع النشاط الاقتصادي في داريا

المدينة عاشت فترة من الكساد والركود الغير مسبوقين خلال الفترة الماضية إذ كانت الحركة الاقتصادية في المدينة شبه متوقفة خلال الأشهر الأخيرة لاسيما في رمضان. وقد شمل هذا الركود جميع الأنشطة والقطاعات بما فيها محلات الأطعمة، رغم صحة المثل القائل «كار الأكل ما بيبطل»، فقد تراجعت أعداد زبائنها مقارنة بالأشهر السابقة أو بنفس الفترات من الأعوام السابقة.

وكذلك بقية القطاعات والأنشطة التي خسرت زبائنها نتيجة تضافر عدة أسباب لعل أهمها الحصار المفروض على المدينة والذي حال دون وصول الكثير من الأشخاص الذين اعتادوا على الحصول على السلع (مفروشات – أطعمة – أشجار وشتلات….) أو الخدمات (المالية – الطابو….) من المدينة وبالتالي تراجع النشاط الاقتصادي للقطاعات المرتبطة بهذه المجالات.

انخفاض عدد الزبائن الذين يقصدون المدينة لشراء المفروشات (غرف النوم خاصة) أدى إلى تراجع الطلب على هذه الصناعة وبالتالي توقف عدد كبير من النجارين أو ورشات النجارة عن العمل وتبعها بالضرورة توقف العاملين في بعض القطاعات كالبخ والمرايا والتنجيد عن العمل. وكذلك الحال بالنسبة للسائقين سواء سيارات التكسي أو السرافيس التي بات أصحابها يعانون من الوقوف المتكرر على الحواجز ولفترات قد تطول أحيانًا ومن قلة عدد الركاب نتيجة إحجام الكثير من أبناء المدينة وسكانها عن التوجه خارجها لغير الضرورة.

إن استرجاع الحركة الاقتصادية في المدينة يتطلب جهدًا مشتركًا من جميع أبنائها وتعاونًا فيما بينهم. ويجب التركيز على تشجيع التعامل مع أبناء المدينة ومحالها ومتاجرها بدل اللجوء إلى الشراء من مناطق أخرى أو من دمشق المدينة. فالشراء من محال المدينة ومتاجرها سيسهم في تحريك العجلة الاقتصادية في المدينة ككل. وقد رأينا كيف أن زيادة الطلب على محلات الألبسة في نهاية شهر رمضان المبارك قد أدت إلى انتعاش اقتصادي في عدد كبيرمن الأنشطة والقطاعات الأخرى والتي كانت شبه متوقفة طيلة الفترة السابقة.

دور المساعدات المالية في تنشيط الحركة الاقتصادية

وبالعودة إلى مثالنا السابق عن تجاوز ركود 1929 -1933، فإن الأموال والمساعدات التي وصلت إلى المدينة من المغتربين أو من أثرياء المدينة أو من جهات أخرى، هذه الأموال قد تمثل البداية لتحريك الاقتصاد وإنعاشه ودفع عجلة التنمية في المدينة، وقد تمثل تلك الأجور التي كانت تُدفع مقابل الحفر والردم في مثالنا السابق. فهذه الأموال – ونتيجة الأوضاع المعاشية والاقتصادية السيئة التي أوصلتنا إليها ممارسات النظام- ستتحول مباشرة إلى الاستهلاك مما يخلق طلبًا على السلع واالمواد المختلفة الأمر الذي يسهم في دفع عجلة الاقتصاد للدوران.

أهمية البدء بإعادة إعمار البيوت المهدمة

كما أن مشاريع إعادة إعمار أو إعادة تأهيل البيوت والمحال المهدمة أوالمتضررة بنتيجة الهجمة الأخيرة والتي بدأ العمل عليها – ولو بشكل جزئي حتى الآن- تمثل عنصرًا هامًا من عناصر تحريك العجلة الاقتصادية إضافة إلى كونها مكونًا من مكونات مشروع إعادة الإعمار. فإعادة البناء سيخلق طلبًا على العديد من المواد والسلع لاسيما مواد البناء كما سيخلق فرص عمل كثيرة للعاملين في مجال البناء والتعمير.

كما أن إعادة البناء سيزيد من الطلب على بعض المنتجات لاسيما الخشبية إذ أن كثيرا من البيوت التي تعرضت للقصف أو الهدم أو الحرق باتت بحاجة إلى استبدال الفرش القديم والذي لم يعد مناسبًا للاستخدام، مما يعني فتح المجال أمام العاملين في مجال النجارة وما يلحق بها من أعمال كالبخ وغيره يفتح أمامهم المجال للعودة للعمل وكسب الرزق.

إن تنشيط العجلة الاقتصادية وإعادة إعمار ماتهدم من بيوت ومحال أمران مترابطان فيما بينهما ويرتبطان لحد كبير بدرجة التعاون والتكاتف بين أبناء المدينة الواحدة. فإذا ما أراد العامل في مجال ما استغلال حاجة الناس له ولعمله حاليًا وأراد أجرًا مضاعفًا للقيام بالعمل فإنه سيكون مساهمًا في تأخير إعادة إعمار المدينة وتنشيطها – من الناحية الاقتصادية ناهيك عن الناحية الأخلاقية-.

لذلك علينا جميعًا أن نتعاون لإعادة إعمار المدينة وبنائها من جديد وليذكر كل منا أن استمرار عمله ومصدر رزقه يعتمد كثيرًا – بعد الله- على استمرار عمل الآخرين.

تابعنا على تويتر


Top