الثورة وحتمية الاستدراك

331.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 32 – الأحد – 30-9-2012

   محمد الملحم

لا يكاد يمرُّ يوم منذ بداية الثورة إلّا ولها الحظ الأوفر من تأمُّلاتنا وتفكيرنا، وكلما تعاقب عليها الليل والنهار اتضحت لنا أشياء واكتشفنا زيف مواقفَ وأفكار، وبانت لنا حقائقُ منها ما يسرُّ النفس ويبعث الأمل والتفاؤل في حناياها، ومنها ما يبيّن حجم الهوَّة التي كنا نتردى فيها وبتنا نحصد آثارها تدميرًا آثماً شاملاً، ليس للإنسان والجماد فحسب؛ بل هو تدمير يستهدف حضارة البلد ضاربة الجذور في عمق الزمن.

إن من أهم ما يمكن الوقوف عليه بعد مضي سنة ونصف على انطلاقة الثورة، هي حالة الفراغ الفكري والمعرفي والأخلاقي المهولة في مجتمعنا السوري، التي لم يألُ النظام الطائفي جهداً في صبغ مجتمعنا السوري بها، واستخدم كلَّ ما أوتي من إمكانيات لترسيخ ثقافة البعد الواحد في كل شيء، ولم يُتِح مجالاً لفكر ومعرفة إلا تلك التي تخدم سياسة الاستبداد والظلم، وتكرِّس معاني الخنوع والتنكُّر لهوية الأمة وثقافتها ودينها، وكان يغلق كلَّ نافذة من شأنها أن تشكِّل معبَرَاً يتسرب منه الوعي -وخاصة الإسلامي الثوري منه- إلى المجتمع. لقد أَحكمَ حصار الفكر، فلاحق المفكر والكتاب وحتى النشيد، وسخَّر كل المنابر من مدارسَ وجامعاتٍ وصحف وشاشات لغسيل العقول وتشويهها، وجفف ينابيع المعرفة حتى تلك التي لا علاقة لها بالسياسة. لقد ضمَرَت بسبب تِلكُم السياسة البغيضة عقولٌ وتشوهت أذواقٌ وغابت معاني الوعي، وتم ترويض هذا الشعب الجامح للمعرفة والثقافة والبناء بكل ألوانها، وغدا كثيرون على درجة من ضيق الأفق وهشاشة التفكير وبساطة الرؤية.

لقد كان لتلك الحالة الثقافية والمعرفية المتردية انعكاساتها الجليَّة في ثورتنا، ولا نُبعُد لو قلنا: إنها أصل في ما حصل -وما يزال- في الثورة من تخبطات سياسية وعسكرية بالدرجة الأولى، وعلى صعيد الخطة الإستراتيجية، والتصورات عن المستقبل، وعدم القدرة على الإنفكاك من الموروث الثقافي عن النظام في التعاطي مع الحالة الجديدة والرؤية تجاه الآخر، وكذلك التيه بين مفاهيم كالديمقراطية والعلمانية والدولة المدنية وحقوق الإنسان وشكل الحرية التي يطالب الثوار بها، والموقف تجاه الإسلام ودوره في توجيه الحياة، والثأر والانتقام… إلخ، كل ذلك وغيره يتعاطاه كثير من الناس -وخاصة شريحة الشباب- بطريقة انفعالية متأثرة بمورثات عهد الظلم وثقافته.

لا أظن أن هذه الحالة قد تطول؛ بل أعتقد أن الشعب انتقل خلال الثورة نقلة بعيدة في التصورات والأفكار والوعي، إلا أن هذه النقلة لا يُركَن إليها إن بقيت على عفويتها وسطحيتها، وإن لم تخضع لعملية استدراك منظمة يقودها علماء ومفكرون وعقلاء، يجيدون استيعاب جيل الثورة وتربيته، يصححون المفاهيم والتصورات، حتى يغدو شبابُ الثورة قادرًا على التمييز والاختيار اختيارًا مسؤولاً، ويوضحون ما انغلق من معاني الحرية والممارسة الواعية لها.

ولا يتأتَّى ذلك إلا من خلال ممارسة مسؤولة من جميع الأطراف في الثورة؛ النُّخَب بمبادرتها ومسارعتها للعب هذا الدور الهام… والشرائح الشبابية بإنصاتها واقتناعها بأهمية هذه النُّخَب وعدم إرباكها وتقييدها، وتجاوزها عقدة من بدأ بالثورة ومن تأخَّر، وتغليب منطق العقل والرشد والمصلحة على منطق العاطفة الذي على الرغم من أهميته إلا أنه أورث الثورة ندوبًا وتعثرًا… أما أن تبقى الثورة تحت رحمة القيادات الشعبية والحالُ كما وصفنا من قلة الخبرة واعتماد ردود الأفعال في التعاطي مع الأحداث، فإن هذا مما يكرس حالة من الإحباط تجتاح الناس لا ينكرها إلا عاطفي أو مكابر. إحباطُ الناس ليس من طول أمد الثورة وباهظ التضحيات؛ وإنما من تخبُّط القيادات الشعبية وتشرذُمِها وتفرُّقِها أيديَ سبأ.

لا ينفك الأمل منعقدًا على الله -تعالى- أولاً ثم على أصالة شعبنا وصفاء معدنه، واستشعارُ الجميع فداحة أي تأخير في عملية الاستدراك وتصحيح مسار الثورة وإسناد المهام إلى أهلها المتخصصين، وأن يلتزم كل طرف حدَّه ودورَه، مع حفظ الفضل لأصحابه وعدم بخس الناس تضحياتهم، فهذا من البَدَهيات ولا يتجاوزه إلا ظالم.


تابعنا على تويتر


Top