الحرب وأثرها النفسي على أفراد مجتمعنا

342.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 32 – الأحد – 30-9-2012

الحملة الهمجية التي تعرضت لها مدينة داريا مؤخرًا والتي استخدم خلالها النظام أعتى آلات القتل، التي لا تستخدم إلا في الحروب الكبرى بين الجيوش، خلّفت -إضافة إلى الآثار التدميرية والمادية والجسدية التي تخلفها الحروب- أضرارًا نفسية انعكست على السكان المدنيين بمختلف فئاتهم وأعمارهم.

إن الآثار النفسية التي تخلّفها الحروب تختلف بين الأشخاص الذين عاشوها إمّا بشكل مباشر أو غير مباشر، كما تختلف ردود أفعال الأشخاص بمقدار تفاعلهم مع الحدث وبمدى تأثرهم به، وتختلف آثار الصدمة النفسية الناجمة عن هذه الحرب وفقًا لفئتين من الأشخاص، تشمل الأولى الأشخاص الذين عاشوا تجربة سابقة أو مشابهة، والثانية الأشخاص الذين لم يتعرضوا لهكذا تجربة. وبالتالي فان تكرار التجربة لدى من خَبِرها قد تؤدي به إلى تحطيم الأمل والثقة بإمكانية الحصول على الأمن من جديد، كما يجد هذا الشخص نفسه غير قادر على إيجاد التفسير لما يجري حوله، فتكرار التجربة يعيد إحياء الصدمة الأولى إضافةً للمعاناة التي يعيشها في حاضره، أي الصدمة الجديدة.

أما من لم يَخْبَر صدمة مشابهة فهو يعيش تجربة جديدة وخصوصًا الأطفال الذين لا يستطيعون إيجاد فهم سليم ومقنع -لهم- لفهم أسباب هذا العنف الشديد الذي يفقدون خلاله أحد أفراد أسرهم ومبرراته.

يحاول الفرد أثناء الحرب أن يتفادى المخاطر بكل ما أوتي من قوة وأن يبقى حيًا، وبالتالي فالبعض يعبّر عن حالة الصدمة بالبكاء والقلق الشديد، والبعض الآخر يعتمد (التأجيل) وهي العملية النفسية التي يعيش خلالها الفرد حالة شبه طبيعية بعد الصدمة مباشرة، وتظهر الأعراض النفسية الناتجة عن الصدمة بعد زوال التهديد بفترة وتتضمن هذه الأعراض: القلق الحاد والهلوسة وزيادة ملحوظة في الحركة، وأحيانًا غياب عن الحاضر وشعور بالذنب، وقد تتحول إلى مشاكل جسدية كالتأتأة والعودة للتبول لدى الصغار وتساقط الشعر لدى الكبار وغيرها…

إن ما يمكّن الفرد من تحمل القدر الكبير من الخسائر البشرية والمادية هو عملية التأجيل كآلية دفاعية نفسية، أو من خلال إعطاء معنى سامٍ لما يحصل، ومن خلال النكران للخسارة للتخفيف من وطأة ما يجري.

إن التأثير الأكبر لما يجري من العنف الذي يدور في واقعنا إنما يتجلى على الأطفال والمراهقين. حيث إن الطفل يختزن في خياله مشاهد العنف والعدائية، والتي قد تنعكس على واقعه بأعمال عدائية ناتجة عن أزمة نفسية نتيجة خوفه مما يراه من مشاهد قد تؤدي به إلى انطواء على الذات.

أما المراهقون فيقع التأثير الأكبر للحرب عليهم سلبيًا على الصعيد السلوكي، حيث إن المراهق يعايش مرحلة الثورة والانقلاب على الواقع وبالتالي فان الحرب قد تزوده بصورة مشوهة عن الثورة المنشودة. فيتماثل بعض المراهقين الأكثر تأثرًا مع مشاهد العنف التي يعتبرونها رمزًا للقوة والثورة، عدا عن بعض الاضطرابات في السلوك كالاتجاه نحو الشجار أو السرقة غير المبررين تعبيرًا عن رفض السلطة. وبالمقابل يمكن أن يميل البعض الآخر إلى أن يكون أكثر تعاطفًا وانفتاحًا مع الغير وتفهمًا للمشاكل.

ولا يتم التخلص من آثار الصدمة بشكل كامل، بل يمكن التخفيف من وطأتها عن طريق زيادة الاهتمام، وإقامة التواصل والحوار البناء مع الأطفال والمراهقين ليستعيدوا ثقتهم بمحيطهم، وإعطائهم تفسيرًا منطقيًا للواقع اللذين وُجدوا فيه، وإعطائه حجمه الحقيقي. وهذا ما يمكنه إن يساعد على التخفيف من الصدمة والخروج منها بأقل ضرر نفسي ممكن.


تابعنا على تويتر


Top