التضخم المستورد و «التضخم بالتصدير»

36.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 32 – الأحد – 30-9-2012

تعددت تعاريف التضخم حسب المدارس الاقتصادية إلا أنها جميعًا تدور في فلك الحديث عن «ارتفاع مستمر في الأسعار يمتد لفترة طويلة»، وتتعدد كذلك أنواعه وأسبابه. ومن أنواع التضخم ما يعرف بـ «التضخم المستورد»، وهو التضخم الناجم عن ارتفاع الأسعار في الدول الأخرى مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة من تلك الدول. كما أن انخفاض سعر صرف العملة المحلية (الليرة السورية مثلًا) أمام العملة الأجنبية للدولة المصدرة للمنتجات (كالدولار الأمريكي أو اليورو) يمثل صورة أخرى من صور التضخم المستورد حيث ترتفع أسعار المنتجات المستوردة مقومة بالعملة المحلية. وكلا هاتين الصورتين تسببان ارتفاعًا في أسعار المواد المستوردة في الأسواق المحلية، مما قد ينعكس بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر على المستوى العام للأسعار.

إلا أننا في الحالة السورية «الاستثنائية» نجد أنفسنا أمام حالة «فريدة» من التضخم والذي يمكن وصفه بـ «التضخم المصدر إلى الداخل»!! إذ شهدت الأسواق السورية مؤخرًا موجة من الارتفاع في الأسعار شملت كثيرًا من السلع والمنتجات بما فيها تلك المنتجة في الداخل السوري. ولو عدنا إلى أسباب هذا الارتفاع لوجدنا أحدها -وهو من أهمها- نزوح رجال الأعمال وأثرياء سوريا، وبأعداد مهولة، إلى الخارج وإخراج أموالهم معهم، مما شكّل ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد السوري.

وقد صرح أحد مسؤولي مديرية الهجزة والجوازات في دمشق بأن المديرية تتلقى يوميًا حوالي 700 طلب للحصول على جواز سفر جديد، إضافة إلى ما يقارب 300 طلب لتجديد الجواز. أي أن ما يقارب 1000 شخص يهيئون أنفسهم يوميًا للسفر القريب أو البعيد، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الكثيرين يحملون جوازات سفر صالحة ولا حاجة بهم للتوجه إلى مديرية الهجرة والجوازات في سبيل الاستعداد للسفر.

إن سفر عدد كبير من هؤلاء وبشكلٍ يومي خارج البلاد يحمل تأثيرات اقتصادية –ناهيك عما يرتبط بالقضايا الاجتماعية والمجتمعية والوطنية- تنعكس سلبًا على من تبقى من أبناء الوطن داخلَه. فهؤلاء الذين يغادرون البلاد يغلقون محالهم أو مكاتبهم أو معاملهم ومنشأتهم، ويوقفون أنشطتهم ويسرّحون عمالهم مما ينتج عنه تراجع في الدورة الاقتصادية وانخفاض في حجم ومستوى الانتاج مما يعني تراجع حجم وكميات السلع المتوفرة في الأسواق المحلية أي انخفاض العرض في ظل طلب شبه ثابت أو متراجع بنسبة أقل في ظل الظروف الحالية، وبالتالي زيادة في الأسعار. فقد لاحظنا كيف أن إغلاق عدة معامل كانت تنتج بضعة أنواع من البسكويت أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار بقية أنواع البسكويت التي ما زالت متوفرة حتى الآن وبنسبة بلغت 400% في بعض الأحيان (حيث تقلص حجم قطعة البسكويت إلى النصف وتضاعف سعرها مرتين). وما ينطبق على البسكويت ينطبق على كثير من المنتجات، إلا أن التأثير الأكثر وضوحًا هو في المنتجات الغذائية التي تمس حياة المستهلك بشكل مباشر ويومي.

كما أن الطلب المتزايد لهؤلاء المسافرين على العملات الأجنبية لتكون زادًا لهم في سفرهم، أدى إلى تراجعٍ كبيرٍ في سعر صرف الليرة السورية والذي ينعكس مباشرة على مجمل النشاط الاقتصادي ومستويات الأسعار، لأسباب نفسية أكثر منها موضوعية، فالمسافرون -لاسيما الأثرياء وأصحاب الأموال- يحصلون على «زادهم» من العملات الأجنبية لضمان معيشتهم ومستقبلهم في بلاد الاغتراب وليتنعموا بالأموال التي جنوها من وطنهم، في حين يبقى من بقي من أبناء البلد في مواجهة انخفاض سعر صرف العملة الوطنية وارتفاع معدلات البطالة وتراجع حاد في الاقتصاد الذي بذلوا الغالي والرخيص في سبيل تنميته ودفعه إلى الأمام، وبفضل جهودهم حقق أصحاب الأموال أموالهم التي يتنعمون -البعض الكثير منهم- بها في الخارج اليوم.


تابعنا على تويتر


Top