«ما منقول إلا الله يفرجها ويخليلنا بشار الأسد!»

فوق الموت عصة قبر

IMG_5428.jpg

شام العلي – دمشق

عشر دقائق مشيًا على الأقدام أو أقل منها هي المسافة الفاصلة بين مشهدين ينتميان إلى عالمين مختلفين أو إلى عصرين متباينين. في المشهد الأول ترى صبية تحمل جهازها الذكي بيمينها وتجر أمامها كلبها المدلل بشمالها، وعلى كتفها تتدلى حقيبتها المرصعة بالمجوهرات، وإلى اليمين تجد المقاهي الفخمة التي تصطف أمامها السيارات الفارهة في صورة تمتلئ بكل ألوان حياة الرفاهية.

وفي المشهد الثاني على بعد خطوات، تجد خيمتين منتصبتين على تلال رملية، وموقد مصنوع من أغصان الشجر ونبات الشيح يستخدم للدفء شتاء ولطهي الطعام في الصيف، ترى حياة بدائية أشبه بحياة الإنسان القديم، تخلو من أبسط أنواع التعليم أو الرعاية وترى أطفالًا يلتحفون الأرض وعلى أبدانهم ثياب ممزقة تبدي من أجسادهم أكثر مما تخفي.

لا نتحدث عن خيال علمي هنا أو عن ساعة الزمن ولا عن التطور التقني الذي أمكن للإنسان أن يسافر عبر العصور، بل عن مشهد واقعي في أقصى أشكال الواقعية، حكاية سورية سوريالية تلخص كارثة وطن بكامله.

على مقربة من «أتوستراد المزة» حيث يقطن كثيرٌ من أغنياء ومسؤولي البلد، وحيث يبدأ سعر الوجبة لشخص واحد في مقاهي ومطاعم المنطقة من 2500 ليرة سورية فما فوق، تجد المشردين واللاجئين والفقراء يفترشون الحدائق ويسكنون خيامًا لا تقي حرًا ولا بردًا، عوائل من عشرات الأفراد ينامون في خيمة واحدة، يأكلون من حاويات القمامة ويقتاتون مما تقتات منه قطط المدينة الفقيرة، ويرتدون الثياب الممزقة زهيدة الثمن التي تكثر في «بسطات» منطقة «الشيخ سعد». في مشهد واقعي يفوق خيالًا حكايات الأطفال وقصة الأمير والفقير.

«فوق الموت عصة قبر»

هذه الصورة التي تعرّت من إنسانيتها لا تقتصر على المنطقة بين «أوتوستراد المزة» و»دوار المواساة»، فالمشردون يفترشون معظم شوارع العاصمة دمشق، يبيتون في الحدائق، ويحتمون تحت الجسور، في ساحة المرجة وحديقة «الفورسيزن» والأرماني والزاهرة الجديدة وجسر الثورة وغيرها، فالحرب التي تدور رحاها في معظم المناطق السورية والصراع الذي هجر الناس من بيوتهم جعل دمشق مأوى وملاذًا لكثيرين ممن وجدوا لهم بيوتًا تؤويهم أو تكدّسوا داخل المدينة على شكل تجمعات تغص بالسكان المهجرين قسرًا، الذين خلقوا لهم بوضوح مجتمعات جديدة وأوجدوا لأنفسهم أساليب للتعايش مع نمط الحياة القاسي.

ولكن حتى الخيم ضنت بالسكنى على المشردين. تتحدث أم أحمد أن رجال الأمن طلبوا منهم إخلاء الخيمة وإلا «هدّوها فوق رؤوسهم»، معللين أن «الخيم غير نظامية وهي تشوه مظهر المدينة»، وتضيف أم أحمد بحرقة «وكأن الفقر والتشرد نظامي أو كأن الموت ناقصو عصة قبر!»

التسول .. نتيجة طبيعية

في ظل غياب الاهتمام الحكومي وشدة الحاجة مع ندرة المعونات الإغاثية وعناية المنظمات العالمية بالمشردين واللاجئين، ازدادت أعداد المتسولين الذين ينتشرون بكثافة هائلة في دمشق، حتى لا يكاد يخلو منهم شارع أو حديقة أو حي ويتسولون النقود أو يبيعون الأشياء الرخيصة كالعلكة والمحارم، وسط غياب تام للرقابة أو العناية التي كانت تعنى بها وزارة الشؤون الاجتماعية.

تقول سارة، وهي طالبة في طب الأسنان، «أنا أنفق نصف مصروفي الشهري للمتسولين الذين لا يمكن إلا أن يرق قلبي لهم».

فالحرب والظرف الاقتصادي المزري زاد الطبقة الفقيرة فقرًا وهجر الألوف من منازلهم، والغلاء وقلة الموارد جعل الطبقة المتوسطة الميسورة في عداد الطبقة الفقيرة، أما الطبقة الغنية المقتدرة التي كانت تُعنى أحيانًا بالفقراء فقد هاجرت خارج البلاد، مما جعل التسول الوسيلة الوحيدة أمام الكثيرين ممن لا يجدون عملًا لإيجاد ما يسد الرمق.

مساعدات على الهوية

عندما سُئلت أم بلال، إحدى النازحات في دمشق، «هل سألتم أيًا من المنظمات أو طلبتم منهم المعونات؟» لاذت بالصمت واختنقت بصوتها قائلة  «نحنا من المعضمية وما منعرف هون».

لكن الخوف الذي بدا على وجهها كان كفيلًا بأن يحكي قصة الخوف التي يعيشها النازحون من المناطق المشتعلة فوق حكاية الذل والجوع، تلك الحكاية التي تحدث عنها كثير من اللاجئين، منهم أبو يوسف من بابا عمرو، الذي قال «عندما يعرفون أننا من بابا عمرو يمتنعون عن مساعدتنا ويفتحون معنا تحقيقًا حول جميع المطلوبين من بابا عمرو وعلاقتنا بهم».

نازحون ومشردون في كل مكان، أناس فقراء متشابهون حد «الكابوس» ولكل فرد في داخله عالم ولديه حكاية، منهم رامي (7 سنوات) من دوما، الذي كانت لديه غرفة وسرير خاص به، ينام في خيمة على الطريق مع 9 أطفال وأم وامرأتين، وسمية (12 سنة) من مخيم اليرموك، التي كانت تحلم أن تصبح معلمة في المدرسة ثم وجدت نفسها بلا مدرسة ولا تعليم. ليست تلك مجرد حكايات لأفراد بل هي مأساة وطن بكامله وحكاية جيل كامل هو مستقبل هذا البلد.

وإن كانت تلك المفارقات المؤلمة بين من يتمشى بحذاء فاخر، وأطفال لا يجدون لأقدامهم سوى الوحل حذاءً، مؤلمةً وعصيةً على الحس والفهم الإنساني، فإن الأكثر إيلامًا وما يأخذ الموقف إلى ناصية القهر والعتبة القصوى للذل أن «أم أحمد» التي هددها رجال الأمن بهد الخيمة فوق رأسها ورؤوس أبنائها تقول في نهاية الحديث «ما منقول إلا الله يفرجها ويخليلنا بشار الأسد».

فأي انتصار للظالم أكبر من أن ينتزع من الضحية ولاءها بعد أن يسلبها خبزها وبيتها وكرامتها؟

تابعنا على تويتر


Top