الثورة السورية  وأزمة القيادة السياسية

محمد عماد  (باحث و كاتب سوري)

حين تنازل الرئيس السوري الراحل شكري القوتلي عن كرسي الرئاسة للرئيس جمال عبد الناصر، بعد إعلان الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا تحت مسمى الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، قال له مازحًا «أسلمك الآن شعبًا كله سياسيون …».

الأحزاب السياسية في الداخل

أذكر قول القوتلي وأنا أستعرض الحالة التي مرت بها سوريا؛ فمنذ انطلاق الثورة في آذار عام 2011 امتلأت الشوارع في المدن السورية بجماهير الشباب الذين قادوا الحراك السلمي منذ الشرارة الأولى، وهم يهتفون «حرية للأبد غصبًا عنك يا أسد» متجاوزين الأحزاب التقليدية المترهلة، السرية منها والعلنية.

وحين حاولت الأحزاب المشاركة في الحراك السلمي كان المشهد هزيلًا، لأنها بدلًا من أن تندمج مع الجماهير حاولت الاستعلاء عليهم والتسلق فوق جهودهم، للوصول إلى مظهر القادة الحقيقيين للحراك.

لكن تسارع الأحداث، ولجوء النظام إلى القمع والعنف المفرط، جعل الأحزاب تنكفئ على نفسها، بل وتختبئ في الزوايا المظلمة التي كانت فيها قبل انطلاق الثورة.

ولعلنا نلتمس العذر للأحزاب وقياداتها التاريخية، ذلك أن النظام السوري مارس أبشع أنواع القمع ضد كل من حاول رفع صوته بكلمة حق، فاستطاع تهميش أو تركيع الأحزاب ونجح في تغييب بعضها الآخر عن المشهد السياسي، ما جعلها ضعيفة، وغير قادرة على التفاعل مع الجماهير أو قيادتها.

وما زاد الطين بلة أن معارضة الداخل الهزيلة، ولاسيما هيئة التنسيق التي لا يزيد عدد أفرادها عن 70 شخصًا، مارست دورًا تخريبيًا معيقًا للثورة، إذ إنها ولأسباب شخصية تارة وبحكم ارتباطها وتبعيتها للنظام تارة أخرى، وقفت بوجه الثورة بشقيها السلمي والمسلّح.

ومن أوضح الأدلة على ذلك تصريحات هيثم مناع، أحد أعضاء هيئة التنسيق، المتكررة حول دخول شاحنات مليئة بالسلاح والذخيرة عبر الحدود وتصريحه بدخول الجهاديين إلى البلاد قبل أن تتحول الثورة إلى العمل المسلح.

وبالرغم من «تفاهة» هذه التصريحات، إلا أن المجتمع الدولي كان يريد أن يتعلّق بقشة ليماطل ويسوّف، لأن إطالة أمد الصراع يصب في مصلحة إسرائيل وأمريكا خصوصًا، واستراتيجية الغرب في المنطقة عمومًا.

استنساخ تجربة حماة 1982

وعودة إلى القوتلي، فإن الشعب سوري يمتلك وعيًا سياسيًا، ويستطيع فهم الأحداث وتقديرها بوضوح، إلا أن هذا الشعب لم يُعط الفرصة لممارسة هذا الوعي لأن الحراك السلمي سرعان ما تحوّل إلى عمل مسلّح.

ويعود ذلك لمحاولة الأسد وأتباعه استنساخ تجربة حافظ الأسد في إخماد الثورة، حين تمكن من سحق انتفاضة حماة عام 1982 بالعنف المفرط، مدمرًا أحياء بكاملها ومتسببًا بمقتل قرابة 40 ألف مدني عدا الذين هربوا خارج البلاد، ما أنتج تغييرًا ديموغرافيًا في المحافظة.

وعليه، زرع النظام بعض المندسين من شبيحته في صفوف الثورة يوزعون السلاح ويحرضون الناس على استخدامه، ثمّ أطلق أعدادًا من السجناء الجهاديين، ليؤكد المقولة التي رددها مندوبه في مجلس الأمن، بشار الجعفري، التي تفيد بأن «ما يحدث في سوريا إرهاب تقوم به جماعات مدفوعة من قبل أمريكا وإسرائيل، وبعض الدول الرجعية».

لكنه فوجئ باستعداد الشعب للتضحية في سبيل انتصار الثورة، فتشكلت الفصائل الثورية للدفاع عن المتظاهرين من اعتداءات الشبيحة وعناصر الأمن الممنهجة، وباتت هذه الفصائل الشعبية تُعرف باسم الجيش السوري الحر.

المعارضة السياسية في الخارج

وإذا انتقلنا إلى المعارضة السياسية في الخارج، نجد أن هؤلاء -على الرغم من رغبتهم في إنجاح الثورة والقضاء على نظام الحكم- عاجزون عن مدّ جسور التواصل بينهم وبين الفصائل الثورية في الداخل، لأسباب كثيرة أبرزها:

  1. الابتعاد عن سوريا فترة زمنية طويلة ما جعلهم غير قادرين على معرفة ما يجري في الداخل.
  2. المحاصصة السياسية التي جعلت المعارضة في صراع، خفي أو معلن، في محاولة لكلّ اتجاه لفرض رؤيته دون النظر بعين الاعتبار إلى الشعب الذي يقدّم يوميًا عشرات الشهداء، ويمثل هذا توصيف المعارض السوري ميشيل كيلو «اختلفنا على اقتسام جلد الدب قبل اصطياده».
  3. الارتهان لأجندات الدول الداعمة للائتلاف، فأمسى الأمر كأنه معارك تخوضها قوى المعارضة السياسية بالنيابة عن الدول والجهات الداعمة لها، وصار المنصب مكسبًا لترجيح هذه الكفة أو تلك.
  4. عدم الفهم الحقيقي لدور قوى المعارضة السياسية في هذه المرحلة؛ فقد نظر معظم هؤلاء السياسيين إلى الأمر وكأنه مرحلة ما بعد إسقاط النظام، لتكون أقوالهم وأفعالهم ومظاهرهم غير واقعية وغير منسجمة مع الظرف الذي تعيشه الثورة.

وكان الأجدر بهم أن ينخرطوا ميدانيًا ويمدوا يد العون لهذا الشعب المنكوب، ومشاركته في حل المشكلات المعيشية وتخفيف المعاناة اليومية، وكذلك التفاعل مع الفصائل الثورية فوجودهم بينها له تأثير معنوي عظيم على مقاتليها؛ بالمختصر كان عليهم أن يكونوا «ثوارًا حقيقيين».

  1. غياب القائد الملهم، إذ لم تفرز الثورة السورية بعد، قائدًا حقيقيًا يلبي مصلحة الشعب، ويحظى بتأييده، ويحوز رضى جميع الأطراف. وعلى الرغم من وجود مئات الشخصيات القادرة على حمل الأمانة وشغل هذا الدور، إلا أن التجاذبات السياسية الحاصلة والتأثير غير الإيجابي للدول التي تؤثر في الملف السوري، جعل تحقيق هذا الأمر يبدو مستحيلًا في المرحلة الراهنة.

وفي ظل المعطيات الحالية، يبدو أنّ أمد الثورة السورية سيطول، وبالتالي ستستمر المأساة إذا لم تغيّر قوى الثورة، بشقيها السياسي والعسكري، أساليبها وتعيد النظر في طرق التعاطي مع ما يجري حولها، وذلك بتوحيد صفوفها تحت قيادة مخلصة ووفية للدماء، معتمدةً على الجهود والإمكانات الذاتية ورافضةً الإملاءات الخارجية، لأن مصلحة الشعب السوري يجب أن تكون أكبر من كل الاعتبارات الأخرى.

تابعنا على تويتر


Top