كلاكيت: نحن والسعودية وإيران

ملاذ الزعبي

لنفترض على سبيل الجدل، أو على سبيل الحلم ربما، أن نظامًا ديمقراطيًا حلّ محل النظام الحالي في سوريا، أي أن حكومة تمثل السوريين بمختلف انتماءاتهم تشكلت، سيقودنا هذا الفرض حكمًا للقول إن هذه الحكومة عليها أن تعمل وفق مصالح السوريين كل السوريين سواء في سياساتها الداخلية أو تلك الخارجية، وإن كان من البديهي (لا يبدو هذا بديهيًا إلى تلك الدرجة للأسف في سوريتنا) أن أبرز ما يجب على سياسات هذه الحكومة أن تعكسه داخليًا بشكل رئيسي يتمثل في تحقيق العدالة الاجتماعية والسعي لرفاه المواطنين وتطبيق القانون وضمان الحريات وغيرها، فإن السياسات الخارجية لا يبدو أن ثمة بديهي بشأنها حتى الآن، بل على العكس، ثمة انقسام واضح بخصوص العلاقات الخارجية لسوريا، وخاصة على المستوى الإقليمي، وتحديدًا النظرة تجاه إيران والسعودية، وهو ما تحاول هذه المقالة أن تقول شيئًا بشأنه.

بداية، لا بد من الإشارة إلى أمرين: الأول هو أن هناك حالة من شبه إجماع متحققة حول طبيعة العلاقات مع إسرائيل، وخاصة في ظل استمرار احتلال الأخيرة لمرتفعات الجولان وإعاقتها لحل عادل للقضية الفلسطينية بما يشمل إقامة دولة فلسطينية ومسألة اللاجئين والقدس. الثاني هو الإشارة إلى أنه لن يكون من مصلحة سوريا بكل تأكيد استعداء أي جهة إقليمية وتوتير العلاقات معها (في حال لم تبادر هذه الجهة إلى ما يدفع لذلك)، كما أنه لن يكون من مصلحة البلاد أن تكون ورقة في محور تتزعمه قوة إقليمية في مواجهة قوة إقليمية أخرى.

وبعد كل هذا التقديم وكل هذه الإشارات، سأقول هنا إنه من الطبيعي أن تملك سوريا الديمقراطية علاقات أوثق مع السعودية من علاقاتها مع إيران وذلك لأسباب عدة، بعيدًا عن أي أيديولوجيا دينية أو طائفية أو طبعًا عن علمانية مذهبية، هذه بعضها:

الأول، الأكثر راهنية، يتعلق بالمشروع الإمبراطوري لإيران الراهنة وسعيها للهيمنة على أكثر من دولة في المنطقة، وسوريا منها. على النقيض من ذلك، ليست السعودية خالية من مثل هكذا مشروع وحسب، بل تبدو أضعف من أن تمتلكه أساسًا لأسباب سياسية وبشرية وعسكرية.

ثانيًا: يعيش في السعودية عشرات الآلاف من السوريين، معظمهم يعملون هناك، عمالًا وسائقين وتجارًا وأطباء ومهندسين وأستاذة جامعات وغير ذلك، هؤلاء كانوا وسيكونون مصدر من مصادر إيرادات الدولة السورية، كما أن الدفاع عن مصالحهم ومتابعة شؤونهم يتطلب علاقات وثيقة مع الرياض، في حين ليس ثمة جالية سورية كبيرة في إيران.

السبب الثالث متعلق بسابقه إلى حد ما: تقيم في السعودية أعداد لا يستهان بها من المواطنات السوريات المتزوجات من مواطنين سعوديين، لا تتوافر إحصائيات عن عددهن، لكن الظاهرة هذه معروفة، مرة أخرى: الدفاع عن مصالحهن ومتابعة شؤونهن وشجونهن ومسائل حضانة الأطفال وحقوقهن وغيرها تعني ضرورة علاقات وثيقة مع المملكة. بالمقابل: ليس شائعًا ارتباط سوريات بإيرانيين.

رابعًا: يؤدي عشرات الآلاف من السوريين سنويًا مناسك العمرة والحج في المدينة المنورة ومكة المكرمة، سوريا الديمقراطية التي تقدر مواطنيها عليها أن ترعى هؤلاء خلال تواجدهم في الأراضي السعودية. في حين لا يسافر سوريون إلى إيران بهدف ممارسة شعائر دينية بمن في ذلك المواطنون السوريون الشيعة.

خامسًا: تنتمي دمشق كما الرياض إلى فضاء ثقافي مشترك بحكم اللغة العربية، وكان البلدان من ضمن الدول التي أسست جامعة الدول العربية، وهما عضوان في منظمة المؤتمر الإسلامي التي تنتمي لها طهران أيضًا. هنا أيضًا تتقاطع الانتماءات الدينية للسوريين مع السعوديين أكثر من تقاطعها مع الإيرانيين بحكم الأكثرية العددية للسوريين السنّة واحتواء السعودية على الأماكن المقدسة للمسلمين.

سادسًا: لعشائر سورية عدة امتدادات وعلاقات عشائرية مع عشائر في السعودية. على الضفة الأخرى: لا توجد علاقات بين عشائر سورية وأخرى من إيران. من الممكن أيضًا الحديث عن علاقات قربى غير عشائرية بين عائلات سورية وسعودية نتيجة زواج سعوديين من سوريات المشار إليه آنفًا.

سابعًا: تبدو كلتا الدولتين، إيران والسعودية، قابلتين للاستثمار وإقامة المشاريع في سوريا مستقبلًا في ظل علاقات سياسية جيدة، وإن كانت إيران متفوقة تصنيعيًا على السعودية، إلا أنها ليست من الدول المتقدمة صناعيًا مقارنة بأوروبا والولايات المتحدة واليابان ولا حتى الهند والصين وروسيا وربما تركيا والبرازيل. تبدو السعودية أقدر على منح القروض من جهة، كما يبدو المستثمر السعودي الخاص أقرب للاستثمار في سوريا من نظيره الإيراني نظرًا للتقاطعات الثقافية وغياب عائق اللغة وغيرها من جهة أخرى.

ختامًا، لا بد من إشارتين أيضًا: الأولى إلى أن المقارنة هنا كانت بين القوتين الإقليميتين اللتين يدور من حولهما الاستقطاب الأكبر، وكلاهما تتشاركان في أنهما لا تملكان حدودًا مع سوريا، ستختلف النظرة بكل تأكيد لو قارنّا بين السعودية ومصر مثلًا أو بالأخص بين السعودية والعراق، حيث تملك سوريا مع الأخيرة حدودًا مشتركة تجعل النظرة إلى العلاقات معها مختلفة، حيث هنا أيضًا علاقات عشائرية وعائلية وفضاء عربي وكردي مشترك وضرورة الحفاظ على أمن الحدود ومصالح مائية متبادلة فيما يخص نهر الفرات وجالية عراقية ضخمة نسبيًا تعيش في سوريا.

الثانية أن أكثر ديمقراطيات العالم رسوخًا وأشدها التزامًا بالمبادئ العلمانية تحافظ على علاقات وطيدة مع السعودية وغيرها بما يخدم مصالحها ومصالح شعوبها طالما أن هذه الدول تمثلها حكومات منتخبة من قبل هذه الشعوب.

تابعنا على تويتر


Top