أصل الحكاية ناس: داريا

153.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 32 – الأحد – 30-9-2012


  صحفي حر

كواحد من السوريين، كانت معرفتي بداريا شديدة البساطة، مجرد بلدة قريبة من دمشق، تقع في امتداد طريق المزة، وهي بلدة مشهورة بعنبها الديراني، تماماً مثلما كانت شقيقتها دوما مشهورة بعنبها الذي كان له لون وطعم من نوع آخر.

معرفتي ببلدة داريا، بدأت بالتغير في بدايات العقد الماضي، عندما اكتشفت مع رفاقي نشطاء المجتمع المدني الداعين إلى الإصلاح والتغيير في حينها، أن ثمة نشاطًا في صفوف شبان في داريا، يقترب من بعض أوجه نشاطنا في ميدان العمل المدني، شبان في عمر الورود، فكروا كيف يمكن لهم أن يغيروا حياتهم وعلاقاتهم، ثم تجاوزوا التفكير إلى العمل، وخلقوا مبادرات لها معنى في تغيير السلوك الانساني، وتغيير نمط التفكير، وخلق آليات عمل في صورة مبادرات بسيطة، سهلة التطبيق لاتحتاج إلى شرح كثير أو تفكير عظيم.

بين تلك المبادرات، كانت مبادرتهم القيام بحملات تنظيف شوارع وساحات بلدتهم، يقوم بها رجال وشبان من نخبة الناس في المجتمع، بينهم اساتذة

ورجال دين وطلاب، وهو سلوك له معاني عميقة. إذ هو يكرس ذهاب الناس الى خدمة مجتمعهم ومباشرة شؤونهم بأنفسهم، بعدما لحظوا تقاعس وتقصير الجهاز البلدي المعني، وإبراز تقديسهم للعمل واحترامه باعتباره قيمة عليا بخلاف ما هو شائع عن انحطاط مهنة التنظيف في شوارع وساحات البلدات والمدن.

وثمة مبادرة أخرى، لم تكن تقل أهمية عن سابقتها، تقوم على فكرة التدخل الأهلي في معالجة الخلافات والنزاعات، التي تنشأ بصورة طبيعية في حياة الناس، ولأن الطريق الرسمي فيه من البيروقراطية والعسف والتأخير في ظل واقع الفساد القائم في الدولة والمجتمع، فقد قامت الفكرة على تدخل من جانب فعاليات اجتماعية بين المتنازعين بهدف فض الخلافات ما أمكن قبل أن تذهب نحو جهاز الشرطة وقبل تحويلها إلى القضاء الذي سوف يستغرق وقتاً ومالاً من المتخاصمين قبل الوصول إلى نتيجة، وقد لاتكون نتائجه متناسبة وواقع الحال، طالما أن الفساد ينخره.

والنقطة الثالثة في توجهات تلك المجموعة من شبان داريا في تلك الأيام، كانت توجههم نحو مكافحة الرشوة باعتبارها سلوكًا شائنًا وغير إنساني،

ينبغي محاربته لما له من أضرار على الناس والمجتمع في مجالاته كافة.

تلك التوجهات، إنما كانت تعكس روحًا إنسانية خلاقة في مواجهة ماخلفته عقود من السنيين، كرست سياسات وممارسات سلطوية، أدت إلى خراب شامل في مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، روح تحاول أن تفعل فعلها في مواجهة خراب ودمار، أحاطا بالحياة من حولنا، وحولا الناس من فاعلين إلى مجرد متلقين، يقومون بما هو مرسوم لهم وماهو مطلوب منهم دون أية إرادة أو رأي فيما يحصل لهم وحولهم .

ولأن الأمر على هذه الدرجة من «الخطورة»، التي تجعل الإنسان يأخذ مصيره بيده، ويقوم بفعل ما ينبغي عليه القيام به دون تردد، تم اعتقال مجموعة من شباب داريا في حينها، وجرت محاكمتهم، وتم إصدار أحكام بالسجن ضدهم لسنوات.

كانت تلك واحدة من محاولات الناس الجدية في داريا من أجل تغيير حياتهم المتردية والمخربة، وهي محاولات، مازالت تتكرر في الظاهر وفي الباطن من أجل حياة أفضل يحلم فيها ليس فقط أهل داريا، وإنما كل السوريين، أو أغلبيتهم التي تسعى إلى الحرية والكرامة وإلى العدالة والمساواة.


تابعنا على تويتر


Top