الجيش السوري الحر.. هل من الممكن أن يدان مع النظام السوري في محكمة الجنايات الدولية؟

52.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 32 – الأحد – 30-9-2012

هناك مؤشرات تقول أنه يتم العمل الآن على إحالة الجرائم المرتكبة في سوريا من قبل «طرفي الصراع»، النظام السوري وكتائب الجيش الحر، إلى محكمة الجنايات الدولية، للتعامل معها كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

صحيح أن التقارير لاتساوي إلى الآن بين جرائم النظام وجرائم الجيش الحر، ولكن في النهاية ومن وجهة النظر الجنائية والقضائية، هي جرائم وانتهاكات خطيرة.

من المفيد أن نذكّر ببعض المواد التي جاءت في نصوص المعاهدات الدولية والتي تخص النزاعات والتعامل مع الأسرى والجنود والمدنيين، والتي يبني عليها المجتمع الدولي (بمؤسساته الجنائية والقضائية) أحكامه.

تقول المادة الثالثة في الباب الأول من معاهدة جنيف: الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر، يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية، دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون، أو الدين أو المعتقد، أو الجنس، أو المولد أو الثروة، أو أي معيار آخر، ويُحظَر إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلًا قانونيًا.

كما تذكر المادة السابعة عشرة من الباب الثالث أنّه لا يجوز ممارسة أي تعذيب بدني أو معنوي أو أي إكراه على أسرى الحرب لاستخلاص معلومات منهم من أي نوع، ولا يجوز تهديد أسرى الحرب الذين يرفضون الإجابة أو شتمهم أو تعريضهم لأي إزعاج أو إجحاف.

من الواضح أن الانتهاكات الصارخة التي ارتكبها النظام السوري، هي التي أوصلته أو ستوصله للمحكمة الدولية. إلا أنه وبنفس الوقت، فإنه من الواضح أن هناك انتهاكات من بعض كتائب ومجموعات الجيش الحر لما تنص عليه المعاهدات الدولية، وهو ما نشاهده على أرض الواقع وعلى شاشات التلفزة ومواقع الشبكة. وربما يكون واضحًا أيضًا أن الغالبية العظمى من تلك الكتائب والمجموعات لاتعلم شيئًا عن تلك المواثيق ولاتعيرها أي اهتمام وليس لديها القدرة على تطبيقها.

أن يصبح الجيش الحر، أو بعض كتائبه ومجموعاته، مطلوبًا لمحكمة الجنايات الدولية، فهذا يعني أن يكون كل من قاد أو أشرف أو خطط لتلك الانتهاكات ملاحقًا دوليًا. وأن تنتقل قيادات الجيش الحر (المدنية والعسكرية) في سوريا من موقع مشرّف وطنيًا إلى موقع المطارد دوليًا.

عندما تقوم تلك الكتائب والمجموعات باعتقال شخص أو مجموعة من أتباع النظام أو حتى من مواليه أو المحسوبين عليه، وتقوم بتصوير عملية القتل والتعذيب والتنكيل وسحب الاعترافات عنوةً من أصحابها، وعندما يقومون بتصوير عمليات قتل بسبب الطائفة وعمليات قتل على الهوية، فهم يُهدُون أدلة إدانتهم للجهات الدولية المختصة على طبق من ذهب. ولو سكتوا وعَمّوا على تلك التصرفات لكان خيرًا لهم وأقل جرمًا.

لا أحد يجب أن يستخف بكون بعض مجموعات أو قيادات الجيش الحر قد تُحال إلى المحكمة الدولية، فالشعب السوري يبحث عن مناصريه وداعميه بين كوم من الدول الساكتة على قتله والدول الداعمة للنظام القاتل، فكيف إن أصبح هذا الشعب عبر أهم مكون من مكونات ثورته حاليًا ملاحقًا قانونيًا ودوليًا؟ كيف سيصبح شكل الدعم عندئذ وكيف ستصبح الحلول المطروحة لحل الأزمة؟ أقلُّها أن يكون نظام بشار الأسد وجماعات من الجيش الحر خارجة عن أي وجود سياسي في المرحلة الانتقالية، بالاضافة لإدانة وملاحقة دولية لمُكوّنٍ ثوري قد بذل الشعب السوري في دعمه الغالي والرخيص.

إذا أراد الجيش الحر أن يتعلم من الأخطاء السابقة وأن يحسّن سجله القانوني وسمعته الدولية، فعليه تقوية بنيته القضائية والجنائية لتتماشى مع الاتفاقيات التي نصت عليها المعاهدات والمواثيق المعروفة، وعليه أن يعلن ذلك عبر شاشات التلفزة ومواقع الشبكة، وأن يبدأ بمحاسبة كل من يخطئ أو يتجاوز من أفراده، وبشكل حازم. وبهذه الطريقة يمكن له أن يستعيد ما فقده من مصداقية داخل سوريا وخارجها، وعندما يصبح الجيش الحر على هذا المستوى من المسؤولية العسكرية والقانونية، يستطيع عندها أن يقنع الجميع أنه البديل الشرعي والوحيد للجيش الحالي الذي يقتل شعبه منذ أكثر من تسعة عشر شهرًا، بأنه جيشٌ وطنيٌ مؤهل قانونيًا ليكون جيشًا لكل الشعب السوري.

تابعنا على تويتر


Top