“الخطوط الحمراء” تحاصر أوباما بعد اكتشاف آثار للكيماوي في سوريا

Untitled-128.jpg

بيتر بيكر وإريك شميت – نيويورك تايمز

إذا كانت آمال الرئيس أوباما بأن خطر حرب الكيماوي في الشرق الأوسط تقلص بتخلي سوريا عن أطنان من الغاز السام، فإن تراكم الأدلة على وجود أسلحة سامّة في البلد التي مزقها النزاع قد يجبره مرة أخرى على تحديد مدى استعداده لفرض “خطه الأحمر” الشهير.

اكتشاف آثار من الريسين والسارين في سوريا، بالإضافة إلى استخدام الكلور كسلاح مؤقت خلال الحرب الأهلية الطاحنة في البلاد، يقوض ما صوّره أوباما بأن تدمير ترسانة الكيماوية للرئيس الأسد هو انتصار هام لسياسته الخارجية.

أوباما يحشر في زاوية خطوطه الحمراء

إلا أن أوباما لا يبدو اليوم أكثر تطلعًا إلى استخدام القوة العسكرية ضد حكومة الأسد مما كان عليه عام 2013 عندما ألغى فجأة الضربة الجوية التي هدد بها، مقابل اتفاقية بوساطة روسيّة، تضمنت تخلي سوريا طوعًا عن أسلحتها الكيماوية؛ وبدل ذلك، استجابت إدارة أوباما إلى تقارير عن انتهاكات هذه المرة بطلب مساعدة متجددة من روسيا ودراسة استصدار قرار جديد من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يعالج استمرار استخدام سوريا للكيماوي كسلاح.

“أنتم تتعاملون مع نظام لا يتمتع بمصداقية جيدة بخصوص برنامج أسلحة الدمار الشامل”، يقول روبرت فورد، سفير إدارة أوباما السابق إلى سوريا، مردفًا “ليس مفاجئًا لأحد أن النظام لم يصرح بكافة منشآته، لكن الأنباء السيئة في كل ذلك هي أن النظام يستخدم الأسلحة الكيماوية بانتظام، وإن لم يستخدم غاز السارين الآن.. إنهم يستخدمون غاز الكلور بانتظام دون رادع عن القيام بذلك”.

وسبق لأوباما أن واجه معضلة بسبب تقارير أفادت مؤخرًا بأن الحكومة السورية قامت بقصف مناطق يسيطر عليها الثوار ببراميل متفجرة مملوءة بغاز الكلور. ولم يكن الكلور قد منع بموجب الاتفاقية الروسية-الامريكية مع سوريا لإزالة وتدمير أسلحتها الكيماوية، لكنه محظور بموجب اتفاقية دولية.

وغدا وضع الرئيس أكثر تعقيدًا مع ورود تقارير بأن المفتشين الدوليين وجدوا آثارًا لغازي السارين والريسين، واللذين تضمنتهما الاتفاقية الروسية-الامريكية. وبينما لا توجد أدلة واضحة على استخدام أو إنتاج جديد لهكذا أسلحة محظورة، فإن المعلومات التي كُشف عنها تعزز الشكوك بأن سوريا كانت تخاتِل.

الأسد يخادع الولايات المتحدة

يشتبه عددٌ من المحللين الاستخباراتيين الأمريكيين وآخرين غربيين بأن حكومة الأسد أخفت مخزونات صغيرة من المواد الكيماوية المحرمة، مثل السارين، إضافة للكميات الهائلة التي صُرّح بوجودها رسميًا، وأخرجت من البلاد وتم تدميرها في نهاية المطاف.

بيما ذهب محللين آخرون انه على الأرجح لم تكن سوريا صريحة تمامًا عند إبرام الاتفاقية، في الإعلان عما أنتجته من مواد في السابق أو عن أماكن إنتاجها.

وبالتالي، فإن الآثار التي يجدها المفتشون خلال فحص المواقع واحدًا تلو آخر قد يكون دليلًا على تصنيع سابق للكيماوي في أماكن لم يصرح عنها الأسد أبدًا، أكثر من كونها إشارات إلى إنتاج جديد.

وقال جيف راتكي، المتحدث باسم وزارة الخارجية خلال مقابلة: تقييمنا بالمجمل هو أن سوريا لم تصرح عن كل عناصر برنامجها الخاص بالأسلحة الكيماوية، ومحتملٌ أنها تخفي أسلحة كيماوية.

وأضاف أن إدارة أوباما طلبت من سوريا مرارًا “توضيح التناقضات والسهو” في إعلانها الرسمي عن ترسانتها.

وبينما سحبت أطنان من غازات ومواد أخرى خطرة من يدي الأسد، فإن سوريا قد دمرت حتى الآن 17 موقعًا فقط من أصل 27 موقعًا أفصحت عنه على أنه كان منشأة لإنتاج الأسلحة الكيماوية؛ وانتقدت إدارة أوباما استخدام براميل الكلور المتفجرة ضد المدنيين.

وقال جوش ايرنسيت، المتحدث باسم البيت الأبيض “يستمر نظام الأسد في إرهاب شعب سوريا من خلال الضربات الجوية العشوائية، البراميل متفجرة، الاعتقالات التعسفية وأعمال العنف الفاضحة التي ترتكب بحق شعبهم”.

لكن البيت الأبيض لم يكن على عجلة من أمره لاتخاذ أي إجراءات، آملًا -على ما يبدو- أن يستند على تحقيق منظمة حظر الأسلحة الكيماوية لإرجاء اتخاذ قرار، والسعي للتوصل إلى توافق مع باقي الدول.

وطرح وزير الخارجية، جون كيري، قضية هجمات الكلور خلال محادثاته هذا الأسبوع مع مسؤولين روس في سوتشي.

وفي الحرب الأهلية السورية ذات الأطراف المتعددة، حكومة الأسد هي الوحيدة التي تمتلك طائرات تلقي بقنابل الكلور كما يروي شهود.

لكن مازال على مجلس الأمن، حيث تمتلك روسيا حق النقض، تحديد من يتحمل اللوم؛ ولا يبدو واضحًا أن واشنطن وموسكو قادرتان على العمل معًا في هذه القضية.

واقترح كيري أن يبدأ الطرفان بمشاركة التقارير الاستخباراتية، كتمهيد للوصول إلى استراتيجية مشتركة. إلا أن سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، أعرب عن قلقه بأن هكذا تقارير قد تستخدم سياسيًا ضد حليفهم الأزلي، حكومة الأسد، داعيًا عوض ذلك إلى تحقيق دولي.

تهديدات أوباما “الخلبية”

وأذكت التقارير الأخيرة النقاش في واشنطن، حيث يقع أوباما تحت ضغط منذ سنوات بسبب آلية تعامله مع الحرب الأهلية في سوريا ومع استخدام الأسلحة الكيماوية.

وبينما يشن أوباما حربًا على الدولة الإسلامية، عدوّ سوريا وعدوّ الولايات المتحدة، فإنه ينوء عن أن يرتبط مباشرة بالقتال للإطاحة بحكومة الأسد؛ الاستثناء الوحيد كان استخدام الأسلحة الكيماوية، ما قال إنه تجاوز لخط أحمر سيجبر على تحرك أمريكي.

وردّ أوباما على هجوم كيماوي في 2013 سبب بمقتل قرابة 1400 شخص، بالتهديد لأول مرة بضربة جوية ضد الحكومة، ثم قبل بعرض روسي للتباحث في التخلي الطوعي للأسد عن أسلحته الكيماوية.

ويقول بعض النقاد في واشنطن الآن أن مصداقية أوباما باتت على المحك مرة أخرى.

“ومرة أخرى نحن أمام وضع لا يسمح إلا بوضع الخيار العسكري على الطاولة، وإلا فسيكون صعبًا تنفيذ هذه الاتفاقيات”، قال آندرو تابلر المتخصص في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، مضيفًا “إننا أمام صيف حار آخر”.

ووافقه فورد الذي غادر الخارجية محبطًا من نهج الإدارة في التعامل مع سوريا، إذ قال الباحث في معهد واشنطن حاليًا “تدابير أشد صرامة يجب أن تتخذ فيما يتعلق بردع النظام”، مضيفًا “وإلا فإنهم سيستمرون بخرق معاهدات الأسلحة الكيماوية، التي تحظر استخدام غاز الكلور على وجه الخصوص، وسيكون من المرجح أن يحاولوا فعل أشياء أخرى”.

ومع ذلك بدت إدارة أوباما عازمة على مقاومة الضغط. وقال ستيفن سايمون، عضو سابق في الأمن القومي التابع للبيت الأبيض وحاليًا باحث في جامعة دارتموث، قال إن آثار الأسلحة الكيماوية بالكاد تشكل خطرًا على المصالح الأمريكية الأساسية.

“استغل مؤيدو التدخل اكتشاف كميات ضئيلة من السارين، وانبعاثات ناتجة عن تفكيك برنامج الأسلحة الكيماوية السوري، لدفع الرئيس نحو تدخل عسكري تفاداه حتى الآن” أضاف ستيفن سايمون “التدخل في الحرب الأهلية هو فكرة سيئة حقًا”.

ساهم مايكل ر. غوردان في المقال من شانون، إيرلندا.

نشر اليوم في النسخة المطبوعة من نيويورك تايمز، ترجمته عنب بلدي ولقراءة المادة باللغة الإنكليزية من المصدر، اضغط هنا.

تابعنا على تويتر


Top