القطاع الطبي في دير الزور بين هجرة الأطباء و «تشبيح» طرفي النزاع

-فرق-الاسعاف-الاولي-في-ديرالزور-تصوير-وضاح-الحمد.jpg

سيرين عبد النور – دير الزور

«جميعنا شاركنا في قتل فاطمة»، بهذه الكلمات نعى أحد الناشطين وفاة الطفلة التي لم تتجاوز الرابعة عشرة في حي الجورة المحاصر، والتي توفيت في المشفى نتيجة لتعطل جهاز غسل الكلى وعدم قدرتها على الخروج من الحي.

ثلاث سنوات من الحرب تركت دمارًا هائلًا في القطاع الصحي لمدينة دير الزور بشطريها، تحت سيطرة النظام من أحياء الجورة والقصور وهرابش، وفي قبضة تنظيم «الدولة الإسلامية» والمتمثل بأربع أحياء أساسية هي العرضي والشيخ ياسين والحميدية والعمال.

طرفا النزاع يحاربون القطاع الطبي

وتتفاوت نسبة الدمار بين شطري المدينة، حيث تعرض القسم المحرر لاستهداف أسلحة النظام، كما  أنه عانى من الفوضى وغياب الحماية، ما جعله عرضة للنهب والتخريب.

وتفيد تقديرات الناشطين أن الأحياء المحررة من مدينة دير الزور شهدت تدمير عدد من المشافي العامة والخاصة، منها المشفى الوطني ومشفى الفرات، اللتان تعرضتا لقصف الطيران الحربي عدة مرات، إضافة إلى بعض المشافي الخاصة التي تعرضت للقصف والعبث بمحتوياتها من أجهزة وأدوية ومعدات من غير ذوي الخبرة.

وأفقد القصف المدينة معدّات وتجهيزات لوجستية كان يمكن الاستفادة منها في تحسين الأوضاع الصحية داخل المناطق المحررة، وفق ما تنقله الناشطة سلام، إحدى شابات الأحياء المحررة في دير  الزور «لقد حاولت العديد من المنظمات والهيئات الخيرية تعويض النقص الحاد في الأدوية والأجهزة لكنها بقيت دون المرجو منها»، بينما يرجع عددٌ من المصادر الطبية والناشطين القصور في العمل الصحي إلى ظروف الحرب وانعدام الأمن؛ الأمر الذي يمنع التنمية والعمل بشكل طبيعي.

ويتوافق من استطلعت عنب بلدي آراءهم حول التأثير السلبي لضغوط طرفي النزاع في المدينة (النظام والتنظيم)، وسجل الناشطون إغلاق «الدولة» لأكثر من 50 نقطة طبية وصيدلية في الريف، كانت تغطي حاجة عشرات القرى والبلدات خلال الشهرين الماضيين، بينما ساهم الضغط الأمني والخوف من الملاحقة والاعتقال في إغلاق عشرات العيادات والصيدليات الخاصة في الأحياء التي تخضع لسيطرة الأسد، التي كانت توفر بديلًا مؤقتًا لغياب المشافي.

طبيبان فقط في المناطق المحررة

إحصاء بسيط لعدد الأطباء يظهر حجم الكارثة الإنسانية التي تعاني منها دير الزور، إذ لم يبقَ في المناطق المحررة سوى طبيبين وأقل من 15 ممرضًا، بينما يصل عددهم في مناطق سيطرة النظام إلى قرابة 30 آخرين.

وكان قرابة ألف طبيب بمختلف المجالات يعملون في عموم المحافظة قبل انطلاقة الثورة، ويرى بعض الذين غادروا المدينة أن الظروف لم تساعد في تحقيق بيئة مستقرة تجذب الكوادر البشرية المحلية والدولية، خصوصًا وأن حياتهم معرضة للخطر في أي لحظة؛ لكن جزءًا من الأهالي يعتبرون ذلك «خيانة» للمهنة.

حسن، أحد العاملين في القطاع الصحي إلى اليوم يقول «الأوضاع الأمنية المخلخلة والاعتداءات المتكررة على الكوادر الطبية ساهمت في إبعاد قسم كبير من الكوادر الصحية»، وأضاف الشاب «رغم كل ذلك كان الوضع في حدود المعقول وكان هناك متطوعون وأطباء يحاولون تقديم المساعدات الطبية والدوائية».

لكن هذا الوضع تغيّر مع عودة تنظيم «الدولة» إلى محافظة دير الزور وبسط سيطرته، وفق حسن، ما أبعد كثيرًا من المتطوعين والمنظمات التي كانت تساعد النقاط الطبية في مختلف المناطق.

كما أن التنظيم عمل على ربط كافة القطاعات، ومنها الصحي، لتكون تحت طاعته، ليخضع مفاصل القطاع من كوادر بشرية وأجهزة وآلات، ومساعدات عينية أو مالية لإدارته المباشرة رغم عدم كفاءتها، وفق ما ينقله حسن.

«تشبيحٌ» وموت بطيء

أم محمد، مواطنة من أهالي حي الشيخ ياسين، تصف لعنب بلدي معاناتها مع مرض السكر بـ «المهمة المستحيلة»، إذ تنتشر العديد من الأمراض التي تحتاج إلى أدوية مرتفعة الثمن ومفقودة في الأسواق؛ «المرضى هنا لا يمتلكون سوى انتظار الموت» وفق تعبيرها.

لكن أم محمد رغم مرضها تصرّ على البقاء في حارتها في ظلّ القصف المتكرر «حاول أبنائي طوال  ثلاث سنوات إخراجي من البلاد لكنهم فشلوا».

كثيرون اليوم في دير الزور وريفها يصارعون الأمراض ويتحملون ألمها دون قدرة على فعل شيء، فأغلب الأدوية مفقودة وما كان يأتي من خارج الحدود توقف بسب خوف المنظمات الأجنبية والعاملين فيها من بطش التنظيم.

كما أن إغلاق المناطق التي يسيطر عليها النظام حرم الأهالي من فرصة الاستفادة من المشافي والأدوات والكادر الطبي المتواجد في تلك المناطق.

غرفة على يمين الباب يجلس فيها عناصر التنظيم تخضِع كل من يزور مشفى فارمكس (أو الفاروق) للتفتيش والتدقيق في هويته، كما يصف العم أبو محمد، أحد سكان مساكن الشهداء «استجواب قد يطول لأكثر من 5 دقائق يخضع فيه الأهالي لكل أنواع التشبيح قبل دخولهم إلى المشفى زائرين أو مرضى».

عشرات من المصابين ينتظرون دورهم في إجراء العمليات أو تلقي العلاج بشكل يومي في بهو المشفى، بينما يحاول التنظيم التخفيف من شدة الضغط عبر تحويل قسم من المصابين إلى مشافي الرقة والميادين.

لكن عددًا من الإصابات تحتاج إلى السرعة في تلقي العلاج، وقد فقد عددٌ من جرحى القصف حياتهم نتيجة طول الطريق والتأخر في علاج الإصابة.

في المقابل يواجه القطاع الصحي الموجود في المناطق التي يسيطر عليها النظام انقطاعًا مستمرًا للتيار الكهربائي، وصعوبة في تأمين الوقود لمولدات المشافي، لكنّ النظام يحاول تعويض ذلك بشحنات من الدواء المنقول جوًّا.

الدواء مفقود والأمراض السارية تهدد الأهالي

يتخوف أهالي الدير من عودة بعض الأمراض السارية والوبائية إلى الانتشار، بسب تلوث المياه وعدم تعقيم الطعام وإهمال النظافة، ومنها أمراض الملاريا والكوليرا والتهاب الكبد والليشمانيا.

ويلجأ سكان المناطق المحررة إلى وصفات بدائية من الطب العربي والأعشاب والتداوي الروحي،  محاولين تعويض النقص في الأدوية والأطباء، ويعلّق أحد الناشطين «لقد عدنا ألف سنة إلى الوراء ودفع هذا الوضع المزري بالأهالي إلى الضياع في جحيم الجهل والغيبوبة».

ورغم وجود صيدلية مجانية واحدة في مدينة دير الزور إلا أنها لا تسد حاجات الأهالي الطبية، ويعزو أحد العاملين السابقين فيها ذلك «لقلة أنواع الدواء المتوفر وغياب العديد منها بشكل كلي وبخاصة أدوية الأمراض المزمنة».

الحاج أبو البراء الذي يعاني من أمراض متعددة لكبر سنّه يقول «دخلت المشفى أبحث عن حبوبٍ لمرضي لكن القائم على صيدلية المشفى رفض إعطائي إياها بشكل مجاني رغم معرفته بفقري وعدم قدرتي على دفع ثمنها»، معتبرًا ذلك «عملية تصفية وتهجير متعمد للأهالي من قبل التنظيم»، حيث ينال مقاتلو «الدولة» الأولوية في الحصول على الأدوية.

ويضيف بلهجة ديرية بسيطة «شلون الله بدو يوفقنا واحنا الفساد لسى ينخر بينا»، في إشارة إلى القائمين على ديوان الصحة في المدينة «من قال أن الواسطات والمحسوبيات غابت عنا؟ حين يستلم أخو قائد عسكري ديوان الصحة دون مؤهل علمي أو عملي».

يعلّق أحد الأطباء الذين ما زالوا موجودين إلى اليوم في الأحياء المحررة «دير الزور وحدها تعاني موتًا بطيئًا جراء الأورام الخبيثة التي تنتشر بشكل جنوني في جسدها.. لتموت بصمت وعنفوان كما ماتت فاطمة».

تابعنا على تويتر


Top