فلنؤمن بما نقوم به ولنتمسك به

34.jpg

 جريدة عنب بلدي – العدد 33 – الاحد – 7-10-2012

   عتيق – حُمص

فرضت معطيات الواقع السوري عسكرة كبيرة للثورة، تجادلنا كثيرًا حول مطمع النظام بها، وعن حاجتنا لها، وبغض النظر عن نوايا النظام بتسليح الثورة للتخلص منها، فبالتأكيد أن ما جرى لاحقًا كان خروجًا للأرض عن سيطرة النظام، وهو خروج مطّرد متزايد باستمرار يبشّر بتحرير كامل التراب السوري من حكم الأسد.

ولو تأمّلنا أيضًا لوجدنا أن النظام عجز عن تحقيق أي «نصر» لنفسه وأمام أنصاره منذ سيطرته على حيّ باباعمرو في حمص، كان هذا هو الخبر السار الأخير الذي سيسوقه لحلفائه، الذين يسمعون يوميًا عن تقدم الجيش الحر بالسيطرة على الأرض، بل وأحيانًا على السماء.

لكن هذا الواقع الذي صرنا إليه لا يجب أن يحجب عنّا دومًا أهمية الأشكال والمظاهر الأخرى للثورة ومقاومة النظام، وتبقى الوسائل الأدبيّة أو اللاعنفيّة هي النسغ الكامل الذي يغذي شرايين الثورة بالحياة ويؤمّن الحاضنة اللازمة للمقاومة الشعبيّة.

مع ذلك نجد عزوفًا واضحًا ومتزايدًا عن العمل السلمي تحت دعاوىٍ عدة، منها أن السلاح هو فقط ما يمكنه أن يحسم هذه المعركة الدائرة منذ أشهرٍ طويلة جدًا، وأن الكلام  والمظاهرات والفن .. إلخ، لا تجدي نفعًا مع هذا النظام.

رغم ذلك فالقرآن يقول لنا {ومَثَلُ كلمةٍ طيبةٍ كشجرةٍ طيبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء، تؤتي أُكلَها كلَ حينٍ بإذن ربها}، وهذا التشبيه يوضح قوة الكلمة ومدى تجذرها في أرض النفس البشرية، وكيف أنها تثمر مرات ومرات بإذن ربها… وهو ما يجب أن ينعكس إيمانًا بجدوى الكلمة، وأهميتها في المعادلة.

أمّا الحديث عن أن السلاح هو فقط ما يمكنه أن يحسم في معركتنا ضد الأسد، فهو خلط للأمور مع بعضها، فتراب الوطن لا يتحرر إلا بوجود حقٍ، ووجود قوة تحميه وتؤمّن وجوده، ولكن الثورة ما كان لها يومًا أن تُختصَر بتحرير تراب الوطن من وجود الأسد وحكمه، ها نحن كنّا قد تحررنا من الاستعمار الفرنسي، فأين كنّا بعد ثلاثين سنة فقط من التحرّر؟ في مصافي الدول المتقدمة الساعية لنهضتها (كما جرى مع العديد من المجتمعات التي استطاعت النهوض في زمنٍ مشابه)؟ أم كنا قد دخلنا في حكم العسكر والاستبداد مجددًا، بل وأسوأ مما كان؟

إن تحرير العقول ونشر الوعي والثقافة هي مكونات جذريّة في النسيج الثوري، وفقدانها يعني إمكانية تحرير الوطن لكن دون تحقيق أي شيء آخر مما بُحّت حناجرنا في طلبه (الحرية والديمقراطية مثلًا).

لا أحد يطالب السلاح بتحرير العقول، فلمَ يطالب الكثيرون الكلمة بأن تحرر الوطن! بل لكلٍ دوره وأهميته.

لكن ماذا عن هذا النظام، الذي لا تنفع في مواجهته الثقافة ولا الوعي أبدًا؟

مجددًا هذا إقحام للأمور في غير مسارها، فالمقاومة الأدبيّة (اللاعنفيّة) تحمل التغيير للناس لا للنظام، فالمهم أنها تجدي نفعًا مع المجتمع، تنشر فكرًا جديدًا، ووعيًا جديدًا، وسلوكًا جديدًا… يمهّد لمرحلة حضاريّة أخرى، أما النظام والتعامل معه فذلك حديثٌ آخر.

التركيز اليوم على العمل العسكري يشكّل قلقًا، فالمدنيون بحاجة إلى الكلمة الطيبة تبث في نفوسهم الأمل والإيجابية، وتعطيهم القوّة على العمل لإعادة بناء سوريا، ولإخراج أفضل ما بأنفسهم من خير وعمل، وتداوي جراحهم وتجعلهم يتسامون فوق مشاعر الانتقام والكراهية، وتبثّ فيهم الإيمان بمستقبل رائع.

هذا كله عمل ثوريّ عظيم … وأيّ عمل!

وهذا الذي يتم عبر التلفاز، والإذاعة، والجريدة، والتدوين، والنقاش مع الآخرين .. إلى ما هنالك من وسائل النضال الأدبي.

فلنؤمن بما نقوم به… ولنتمسك به…

تابعنا على تويتر


Top