ثورتنا والسنن الربانية

10.jpg

 جريدة عنب بلدي – العدد 33 – الاحد – 7-10-2012

محمد الملحم

لقد جرت حكمة الله -تعالى- في خلقه أن تمضي أحوالهم وفْقَ قوانينَ وسنن لا تختلف ولا تتبدل، لا تحيد ولا تحابي؛ منها سنن تحكم النفس البشرية، وأخرى اجتماعية وثالثة تاريخية ومنها كونية… قدَّرها -سبحانه- لتستقيم الحياة ويعمر الكون. وطلب من الناس التعرف على هذه السنن والنواميس وفهمها والتصالح معها، وألا يصطدموا بها أو يغالبوها. وجدير بنا أن نحاول فهم ما يجري في بلدنا في ضوء هذه السنن الربانية؛ فنتلَمسَ الخلل ومكمن الداء، ونضع ما آل إليه حالنا في سياقه؛ ليكون انطلاقنا في عملية الاستدراك من قاعدة صلبة وتصور واضح.

يقول ربنا -سبحانه- مخبرًا عن حال بني إسرائيل مع فرعون: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (الزخرف: 54). للوهلة الأولى يظن قارئ الآية أن فرعون هو من بدأ باستخفاف قومه ليقوم بعد ذلك بسَومِهم سوء العذاب وقتلِ أبنائهم واستحياء نسائهم…! ولكن قليلًا من التأمل في هذا البيان الرباني البديع يبيّن لنا أنَّ ربنا -سبحانه- علّل تجرؤ الطاغية على الاستهانة بأمر الناس والاستخفاف بهم بأنهم (كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)!! فـ (لا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يمسكون بحبل الله، ولا يَزِنُون بميزان الإيمان. أما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح) .

إن الفسوق والحيدة عن سبيل الله والتنُّكر لدينه والسخرية به، وخلطه بمفاهيم منحرفة واعتبار ذلك من أصل الدين… هي سبب معاناتنا طيلة العقود الماضية. ولما قامت الثورة، لم تنطلق من رغبةِ عامةِ الذين خرجوا فيها في تغيير أنماط حياتهم إبان الثورة وما بعدها؛ وإنما كانت ردَّةَ فعل على الظلم والقهر… ولعل ذلك ما يفسر استمرار كثيرٍ من مظاهر الفسوق في الثورة.

إننا إذا أردنا أن تؤتي الثورة أُكُلها وأن نجني منها ثمرة النصر -الذي هو من عند الله تعالى ابتداءًا- فعلينا أن نلتفت بقوة إلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7). إن نصرة الله -سبحانه- في الانحياز لدينه وشريعته، والقيام بأمر الدين على الوجه الذي أراده ربنا سبحانه، وأخذ الكتاب بقوة عقيدة ومنهاجاً…  هي شروط تَحقْقِ النصر من عند الله تعالى، (وَعْدُ الله لا يخلفه… فإذا تخلَّف فترة، فهو أجلٌ مقدَّرٌ لحكمة أخرى تتحقق مع تحقق النصر والتثبيت. ذلك حين يصح أن المؤمنين وفُّوا بالشرط ثم تخلف عنهم (فترة) نصرُ الله) .

علينا أن نعي ذلك جيدًا لا أن نرفع شعارات اللجوء إلى الله في وقت المحنة ونحن لا تزال تنطوي نفوسنا على خصومة مع الدين مباشرة أو غير مباشرة، ولا تغني تسمية الكتائب بأسماء إسلامية وفيها من يتعدَّ عل الذات الإلهية، وفي جمهور الثوار عمومًا من يُكنُّ العداوة لمنهج الله تعالى… إنها سنة الله؛ تقتضي نصرة الدين ليتنزل النصر من عند الله تعالى.

من سنن الله الجارية اقتران الفشل والهزيمة بالتنازع والخلاف: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46). (فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار. فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم -مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة- فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر؛ إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصرُّ عليها مهما تبيّن له وجه الحق فيها! وإنما هو وضع (الذات) في كفة، والحق في كفة، وترجيح الذات على الحق ابتداءًا) .

لابد من وقفة للمراجعة، ولا بد للمراجعة أن تكون صريحة، ولا بد من عزمة على الاستدراك… وإلا فإن الطريق لا تزال طويلة والبلاء يُصَب علينا صبَّاً.

تابعنا على تويتر


Top