مشاريع رفاهية لا تسمن ولا تغني إلا جوع ضمائرنا

3fd07_مسير-الدراجات-لتخفيف-أزمة-المرور-5.jpg

يافا إدريس

انتشرت في الآونة الأخيرة في دمشق حملات تطوعية تدعو إلى نشر التفاؤل والإيجابية وإحياء قيم الخير والتعاون لدى المواطنين؛ وشحذ هممهم للمساهمة في الحفاظ على ما تبقى من البلد.

لكن الكثير من هذه الحملات تكاد تكون «رفاهية زائدة» لا أكثر، لمجتمع يعيش حالة حرب وفقر، إذ تبدو للناظر أنها تهدف إلى فتح قنوات «نظاميّة» لشريحة الناس التي لم تنشغل بأمور المعيشة ولقمة العيش بما فيه الكفاية، فيفرغوا فيها طاقاتهم ورغباتهم في بناء مجتمعهم، ويرضوا ضمائرهم بأنهم فعلوا ما بوسعهم، وهو ما يصب في مصلحة النظام أولًا وأخيرًا.

تتحدث ش.ك. العاملة في إحدى الجمعيات الخيرية في دمشق، عن مبادرة غايتها إنشاء طرق خاصة للدراجات في العاصمة مع مواقف مخصصة، فتقول «قدموا لنا مبادرة للدراجات في الوقت الذي يعاني فيه المواطن من شراء بطاقة باص النقل الجماعي، ليضربوا عصفورين بحجر واحد، يستغل النظام طاقات الشباب بمشاريع تخدمه ويشغلهم بنفس الوقت عن الانضمام لمشاريع ثورية».

الظاهرة الأخرى -وهي ليست بأقل انتشارًا من الأولى- هي المشاريع التنموية المأجورة؛ إذ تستقطب بشكل خاص الشباب الفاعل المثقف، وتدّعي بدورها أهدافًا خيرية ولكنها تبطن الربحية.

تقول المعلمة س.ع، العاملة في مدرسة خاصة، «عٌرض عليَ مشروعان تنمويان مؤخًرا، غايتهما الظاهرة خدمة المحتاجين من أولاد البلد، لكني بعد الاطلاع على التفاصيل وجدتها موجهة للطبقة العليا -ماليًا- من المجتمع، فمن الذي يملك مالًا يصرفه لحضور مثل هذه الدورات سواهم».

ما الذي نستفيده حقًا من زراعة حدائق دمشق بالياسمين وأقبيتها تعج بمعتقلي السلمية؟

وما الذي نجنيه من صرف وقت ومال على تعليم أطفال مهارات إضافية، كمهارة الحساب الذهني، ولدينا أطفال انقطعوا عن الدراسة منذ ثلاثة أعوام، وأصبحوا بحاجة لمحو أمية من جديد؟

ما الذي يفعله لوغو ابتسامة (سمايل) على الحيطان وقلوبنا تبكي فضلًا عن عيوننا؟ وماذا يعني رضا النظام عن إقامة نشاط ترفيهي للأيتام في حين تحصد آلة قتله يوميًا عشرات اﻵباء مخلفة ورائهم مزيدًا من الأيتام؟

مع كل عدم الجدوى التي تبدو إجابة منطقية على الأسئلة السابقة، من الجدير بالذكر أن كل هذه الأنشطة والمشاريع تحتاج إلى موافقة وتيسيير من الدوائر الحكومية وصناع القرار حتى ترى النور.

من البديهي عندما نعلم ذلك أن نسأل أنفسنا كيف للنظام أن يوافق على أي تحرك يهدف لخدمة المجتمع ونشر الوعي بين الجماهير؛ إلا إذا كان هذا العمل غير مجدٍ فعليًا أو يصب في مصلحته بشكل أو بآخر ويضفي عليه شرعية اجتماعية.

على الرغم من تبريرات البعض بأن هذه الأنشطة هي الوحيدة المتاحة في الظروف الحالية، وأنهم يفعلون المستطاع لخدمة البلد وأولادها بغض النظر عن المستفيد؛ إلا أنه من الجليّ أن النظام هو المستفيد وصاحب القطعة الأكبر في هذه الكعكة، وأن الناس كأصحاب مشاريع أو موظفين فيها لم يبق لهم إلا الفتات الذي لا يسمن ولا يغني؛ اللهم إلا من جوع بعض الضمائر وحاجتها الفطرية لتلبية نداء الواجب.

أربع سنوات من الثورة والدم كفيلة حقًا بتعليمنا التركيز على الأولويات في كل صعيد وعدم تضييع جهودنا خارج دائرة التأثير الحقيقية، كيف لنا أن نحطم قاعدة الاستبداد السياسي والفكري الأزلية «غردوا ما شئتم طالما صوتكم يطرب آذاننا واقفزوا ما شئتم داخل حدود القفص».

تابعنا على تويتر


Top