ماذا بقي للسوريين بعد القاعدة

محمد رشدي شربجي

في وقت ما أواخر الثمانينيات، بين عامي 88 و89، تأسس تنظيم القاعدة لمحاربة الاتحاد السوفيتي بجهود كل من أسامة بن لادن وعبد الله عزام، بعدها بأشهر اغتيل عبد الله عزام بانفجار سيارة مفخخة، وبقيت قيادة التنظيم في يد أسامة بن لادن، الذي عاد إلى السعودية بعد هزيمة السوفييت في باكستان، ليصطدم مع الملك، على خلفية سماح الأخير للقوات الأمريكية بالتواجد في المملكة بعد حرب الخليج الثانية.

نفي أسامة بن لادن إلى السودان، ثم جمدت السعودية أرصدته المالية وسحبت جنسيته (السعودية) عام 94، تعرضت السودان بعدها لضغوطات كبيرة حتى أخبرته أنه لم يعد مرحبًا به على أراضيها، ونتيجة لذلك عاد مرة أخرى إلى أفغانستان بعد سيطرة حركة طالبان على كابول، ليؤسس مع أيمن الظواهري وآخرين «الجبهة الإسلامية العالمية ضد اليهود والصليبيين»، داعيًا إلى قتال الأمريكيين وحلفائهم، مدنيين وعسكرين، في كل مكان وزمان حتى «يخرجوا من أرض المسلمين».

لا تؤمن القاعدة بالمجتمع الدولي، ولا بالنظام الدولي الحالي، ولا تعطي اعتبارًا لحدود الدول القائمة، وتسعى إلى هزيمة أمريكا ومن ثم إنشاء دولة للمسلمين، تمتد من أندونيسيا إلى السنغال، وقد شنت عمليات في كثير من دول العالم، ووضعتها كل دول العالم تقريبًا على قائمة الإرهاب.

بدءًا من التسعينيات شنت القاعدة الكثير من العمليات العسكرية ضد الأهداف والمصالح الأمريكية والأوروبية، أبرزها تفجيرات السفارات الأمريكية في كينيا وتانزانيا 1998, وتفجير أبراج التجارة العالمية في نيويورك 2001، وتفجيرات لندن في 2005، وغيرها كثير.

وقد كانت الولايات المتحدة أعلنت بعد هجمات 11 أيلول ما أسمته «الحرب العالمية على الإرهاب»، أو «الحملة الصليبية العاشرة»، حسب ما تسميها القاعدة، وقد أدت هذه الحرب إلى تدمير دولة طالبان في أفغانستان، بعد أن رفض الملا عمر تسليم بن لادن لأمريكا، لتعيش بعدها القاعدة في حالة تخفٍّ مستمر، ولتفقد شيئِا فشيئِا سيطرتها على فروعها حول العالم، ما جعلها في كثير من الأحيان مظلة اسمية لحركات الجهاد العالمي.

الحرب بين تنظيم القاعدة والولايات المتحدة إذن، حرب سابقة على قيام الثورة السورية لسنوات طويلة، وسوريا تعتبر بلدًا صغيرًا للغاية بالقياس إلى الهدف الاستراتيجي النهائي للقاعدة.

لقد كان الجولاني واضحًا في لقائه مع أحمد منصور، طوى صفحة الحديث «الفيسبوكي» عن فك الارتباط مع القاعدة بنفيه ذلك نفيًا قاطعًا، خيّر العلويين والدروز بين القتال أو «العودة إلى الإسلام»، قرر شكل الدولة السورية المستقبلية ونظام الحكم فيها، أدان الديمقراطية وما ينتج عنها، وأوضح أن الدولة ستكون معادية بالتأكيد لروسيا وأمريكا والغرب بشكل عام، ولن تقبل طبعًا بالمجتمع الدولي.

والحقيقة أنه من الطفولي افتراض أن الجبهة ستفك ارتباطها بالقاعدة، فالجولاني جاء إلى سوريا من العراق بطلب من القاعدة، كما أنه ليس عضوًا جديدًا فيها حتى نطالبه بنسيان ماضيه وتاريخه، ويضاف إلى ذلك 30% من أفراد الجبهة من «المهاجرين»، بحسب الجولاني، جاؤوا من كل دول العالم، وسيساهم فك الارتباط بالتأكيد بتركهم للجبهة وتوجههم نحو تنظيم الدولة عدو الجبهة اللدود.

ومع أن الجولاني أكد أن مهمة جبهة النصرة في سوريا هي «إسقاط النظام السوري وحلفائه مثل حزب الله» التزامًا بتعليمات أيمن الظواهري، إلا أنه عاد وأكد أنه في حال تمادي أمريكا أكثر فإن انعكاسات ذلك لن تكون في صالحها.

«التزامًا بتعليمات أيمن الظواهري» لا تحارب جبهة النصرة أمريكا الآن، وليس لأن سوريا يكفيها عدوا بحجم روسيا وإيران.

يقول الجولاني إن الجبهة لا ترغب بشن هجمات على أمريكا، ولكن إصراره على الولاء للقاعدة، جعل انتصار الثورة في سوريا مرتبطًا بهزيمة أمريكا، التي بكل تأكيد ستضغط على حلفائها لإيقاف دعمهم للمعارضة السورية في شمال سوريا، كما أنها ستضغط أكثر لتوجيه القوة العسكرية التي تدربها في تركيا والأردن باتجاه محاربة تنظيم القاعدة.

لا يعني هذا طبعًا أن أمريكا ستنجح في مسعاها في سوريا، ولكنه يعني أن القاعدة حمّلت السوريين عدوا بحجم أمريكا لا يمكن احتماله.

لاشك أن نظام الأسد مستفيد من هذا أيضًا، فاختزال خصومه في سوريا بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية سيجعله «أقل الأشرار سوءا» بنظر «المجتمع الدولي» الذي لا يهتم الجولاني به أصلًا.

ماذا بقي على السوريين بعد لقاء الجولاني؟

بقي عليهم هزيمة أمريكا بعد هزيمة إيران، وتمنياتهم للجميع بطول العمر.

تابعنا على تويتر


Top