مكتبات خاوية... كتب تجارية مستهلكة... ومبادرات تتحدى الواقع

المشهد الثقافي في دمشق

-٣.jpg

شام العلي – دمشق

الانحطاط لا يأتي إلا كاملًا كما يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، ومثله الحرب لا تستثني في معركتها أخضرَ ولا يابسًا، ولا تحفظ لشيء قدرًا أو قيمة، فالمعارك التي تتكلم لغة المقابر لا ترعى حرمة المحابر، ولا يعنيها إن كان البلد الذي تعيث فيه دمارًا قد صدّر أول أبجدية للعالم، فآلتها لا تألو فسادًا ولا تلوي إلا على العبث والتدمير.

ذهب «جواد» كعادته، وهو طالب في كلية الطب، إلى مكتبة «الصفدي» القريبة من ساحة الحجاز في دمشق لشراء العدد الجديد من سلسلة «ما وراء الطبيعة»، إلا أن البائع أخبره أن العدد غير موجود، معتذرًا أن انخفاض قيمة العملة السورية إضافة إلى ارتفاع سعر السلسلة بسبب تدهور الأوضاع في مصر (التي تصدر السلسلة منها)، رفع سعر الكتاب من 200 إلى أكثر من 1000 ليرة سورية، مما جعل المكتبة تتوقف عن استيراد السلسلة، فمن سيشتري كتابًا صغير الحجم بهذا السعر الخيالي؟ يضيف صاحب المكتبة: «الله يفرجها أحسن شي».

أما صاحب مكتبة «النوري»، أحد أشهر وأغنى مكتبات دمشق، فقد قال إن المكتبة لم تستورد كتبًا منذ زمن بسبب الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد، فالحرب غيرت أولويات السوريين والكتب أصبحت رفاهية.

الحلبوني، من مكتبات إلى محلات للنابلسية

وفي جولة إلى منطقة «الحلبوني»، التي تشهد حضورًا للكتب والمكتبات هو الأكثف على مستوى العاصمة دمشق والمحافظات السورية، والتي كانت تزين واجهات مكتباتها دومًا بأحدث إصدارات الكتب في العواصم العربية التي لم يمض على صدورها بضعة أيام، بدا الكساد الشديد واضحًا جدًا في المكتبات، وسط غياب شبه كامل للعناوين الجديدة باستثناء الكتب التجارية والمستهلكة أمثال روايات أحلام مستغانمي وباولو كويلو، والكتب المشهورة أمثال روايات دان براون، فالمكان الذي كان مقصدًا للقراء من كل صوب، خصوصًا أيام ازدهار المكتبة الشامية في الستينيات والسبعينيات، أصبح أشبه بتجمع لمتاحف لا تثير سوى الغرابة، كما يقول «أبو أيمن» صاحب إحدى دور النشر في الحلبوني.

مكتبات مغلقة، وأخرى تحولت إلى محلات للنابلسية أو الفلافل، ومكتبات بدلت ثوبها تحت إغراء الربح إلى محلات للقرطاسية وبيع كتب الأبراج، هذا هو واقع المكتبات اليوم.

حتى معرض الكتاب الذي كان ينتظره القراء السوريون بفارغ الصبر، والذي كان يفتتح كل عام محتضنًا مجموعة متنوعة وهائلة من الكتب، شهد إقبالًا متواضعًا هذا العام حيث أقيم في المركز الثقافي في حي «أبو رمانة» بدلًا عن مدينة المعارض التي كان يقام فيها غالبًا، بحضور فقير مقتصر على دور النشر السورية والمحلية.

أما مكتبة الأسد التي تعتبر المكتبة الوحيدة من نوعها على نطاق المحافظات السورية فلم تعد تشهد إلا إقبالًا متواضعًا، ولم تضف إلى مستودعاتها أي عنوان جديد منذ سنوات. ناهيك عن القائمة الطويلة من الممنوعات التي تفرضها الحكومة السورية على كل ما يدخل للمكتبة، لكن عطش السوريين للكتب والقراءة دفعهم إلى ابتكار طرقهم الخاصة لتجاوز أزمة الكتب وتحدي الواقع محاولين الوصول إلى الكتاب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

تبادل الكتب، مبادرات جديدة

تطبيقًا للمثل الشعبي الذي يقول «الحمل على جماعة خفيف» حاول السوريون تجاوز الأزمة وتحدي الواقع عن طريق المبادرات التي تقام على نطاق واسع أحيانًا وعلى نطاق مجموعات صغيرة متكاتفة أحيانًا أخرى.

حيث أقامت منظمة jci في «شام سيتي سنتر» في كفرسوسة فعالية لتبادل الكتب تحت شعار «كتابك القديم هو كتابي الجديد»، وقد لاقت المبادرة إقبالًا جيدًا، لعله أقل من المأمول بحسب بعض منظمي الفعالية، ولكنه جيد بالنسبة لبلد يرزح تحت وطأة الحرب.

كذلك حاول مجموعة من طلاب الجامعة في دمشق أن يؤلفوا مجموعة من محبي القراءة، وأنشؤوا لهم مجموعة على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) وعبر تصويت جماعي كانوا ينتقون كتابًا فيشترونه ثم يدوّرونه فيما بينهم ويقتسمون سعره.

وعلى مبدأ مشابه شهدت دمشق بعض الفعاليات الثقافية، مثل الفعاليات التي أقيمت في كلية الطب تحت عنوان «أعرني كتابًا»، حيث شهدت الفعالية إقبالًا أكثر من المتوقع بحسب رامز، أحد منظمي الفعالية. وكذلك في كلية الهندسة، وامتدت هذه المبادرات لتشمل الكتب والمحاضرات الجامعية التي أصبح شراؤها عبئًا على الطلاب، فتأسست مبادرات كثيرة ناجحة في معظمها لتبادل الكتب الجامعية وتوزيعها.

الكتاب الإلكتروني حل بديل

رغم مكانة الكتاب الورقي ورغم الصلة الحميمة بين القارئ السوري والأوراق والحبر، إلا أن ندرة الكتاب الورقي وصعوبة مناله بسبب غلاء ثمنه أو عدم تواجده جعل الكتاب الإلكتروني ينتزع الصدارة منه، فشبكة الإنترنت توفر عناوين كثيرة مجانًا ويمكن الحصول عليها بسهولة.

تقول ريما، وهي معلمة لغة إنكليزية، «عندما يشدني أي كتاب في المكتبات أبحث عنه إلكترونيًا، فإن لم أجده أشتريه»  لكنها تضيف أن مشكلة انقطاع التيار الكهربائي تجعل الوصول للكتب الإلكترونية وقراءتها أصعب، فضلًا عن أن كثيرًا من العناوين ليست متوفرة على الشبكة.

ورغم مشاكل انقطاع التيار الكهربائي الطويل في سوريا إضافة إلى سوء خدمة الاتصال بالشبكة إلا أن الإنترنت يبقى هو البوابة الأكثر اتساعًا للحصول على الكتب في هذه الظروف الخانقة أمام السوريين.

رحلة الكتاب

يروي سامر، وهو طالب في الهندسة المعمارية، أن الأزمة خلقت له شبكة علاقات في مختلف أنحاء البلاد، فمعظم أقربائه وأصدقائه قد هاجروا من البلد، ويحكي أنه يستطيع الحصول على أي كتاب من أي مكان، حيث يخبر قريبه أو صديقه عن عنوان الكتاب وهو بدوره يرسله له مع القادمين إلى سوريا، يقول سامر ساخرًا «مصائب قوم عند قوم فوائد» .

تصوير الكتب بدلًا من شرائها

استيراد الكتب من البلدان المجاورة مثل لبنان ومصر رفع أسعار الكتب لحدود خيالية لا تطيقها قدرة الشعب السوري الشرائية، خصوصًا مع هبوط الليرة السورية وارتفاع الدولار، فالكتاب الذي كان يباع بـ 150 ليرة أصبح لا يباع بأقل من 900 ليرة، مما جعل القراء يعدون للألف قبل اقتناء الكتاب، وجعل المكتبات تتوقف تمامًا عن استيراد الكتب.

وأمام ذلك كان تصوير الكتب ونسخها بعد الحصول عليها من الإنترنت أحد الحلول السورية المنتشرة، رغم أنها في الظاهر تعتبر سرقة فكرية واعتداءً على الملكية.

يقول حسن، طالب هندسة، إن الكتاب المؤلف من 1000 صفحة تبيعه المكتبات بـ 10 آلاف ليرة، في حين أن طباعته تكلف الطالب 4 آلاف ليرة سورية كحد وسطي. وأقل منها إن كان «حربوء»

بسطات الكتب تشهد إقبالًا

رغم أن «البسطات» ليست جديدة على المجتمع السوري، إلا أنه من غير الممكن تجاوزها عند الحديث عن المشهد الثقافي في سوريا، فالبسطات تحولت من طارئة على المشهد السوري إلى جزء أصيل منه، إذ إنها تشهد إقبالًا أكثر من المكتبات في كثير من الأحيان نظرًا لوفرتها ورخص أسعارها، ورغم أن التشابه بين البسطات في دمشق كبير لدرجة أن المار بها لا يفرق بينها، إلا أن لكل بسطة ما يميزها، وخصوصًا تلك التي تبيع الكتب القديمة، فأسعارها رخيصة جدًا، حيث يباع الكتاب بأقل من 200 ليرة، ورغم أن معظم العناوين لا تجذب القارئ إلا أنها تخفي بينها نفائس ثقافية وكتبًا قيمة قد لا تجدها في كبرى مكتبات العاصمة.

تقول مارية، وهي طالبة رياضيات، «كنا نقف أمام بسطات الكتب في السابق كما نقف أمام دكاكين الخضار، أما اليوم أصبحنا نقف أمامها كما نقف أمام محال المجوهرات».

 

 

سوق الكتب في الحلبوني

يمتد شارع الحلبوني من محطة الحجاز إلى مشفى التوليد في حي البرامكة، وهو من شوارع دمشق القديمة، وتعود مبانيه إلى العهد العثماني والاحتلال الفرنسي، وتحول تدريجيًا من حي سكني إلى حي يغلب عليه الطابع التجاري.

تنتشر فيه أكثر من مئة مكتبة، يتبع معظمها إلى دور نشر محلية أو عربية، بعضها متخصص بمواضيع أو بفئات عمرية معينة. وتنتشر كذلك على أرصفته بسطات لبيع الكتب، الجديدة والمستعملة، ويضم تجمعًا لمحال بيع القرطاسية والمستلزمات المكتبية.

ويتنوع محتوى المكتبات، وحتى البسطات، من التاريخ الإسلامي وكتب في تفسير القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف وعلوم اللغة العربية إلى الشعر والأدب، والسياسة، والفنون، وأدب الأطفال والقواميس؛ كذلك يتوفر فيها طيف واسع من الكتب المترجمة التي تغطي أيضًا مواضيع متنوعة، على رأسها الأدب الكلاسيكي، والتنمية البشرية. كما تتوفر كتب باللغات الأجنبية، حتى أن بعض المكتبات متخصصة بتوفير كتب تعليم اللغات.

ويواكب محتوى «السوق» تطورات العصر، إذ يوفر كتبًا عن علوم الحاسوب، ومواضيع التنمية البشرية؛ فضلًا عن مزيج منوع من الأقراص المضغوطة، تقدم بعض المكتبات أجهزة إلكترونية لشرائح محددة، مثل أجهزة القرآن الرقمية، والقواميس الإلكترونية.

تابعنا على تويتر


Top