ترجمة: سياسة تركيا تجاه سوريا “لن تتغير”

Untitled-13.jpg

من المفارقة أن يؤثر نهج حزب العدالة والتنمية في الصراع على سير الانتخابات التركية، ولكن هذا التأثير لا يكفي لتغيير ذلك النهج.

آرون ستين – الديلي بيست
نُشر في 9 حزيران 2015

يعتبر حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا مؤيدًا علنيًا لاستخدام القوة العسكرية للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد.

منذ قطع العلاقات مع النظام السوري في أيلول 2011، بدأت أنقرة بتقديم المساعدات العسكرية والإنسانية لإحدى المجموعات التابعة للمعارضة السورية والتي عملت في العديد من المناطق شمال سوريا.

وحتى الآن، نجح حزب العدالة والتنمية في مقاومة أي تغيير في سياسته بعد النجاحات الكبيرة والمتكررة التي حققها عبر صناديق الاقتراع، وحتى مع تفاقم الصراع السوري الذي تجسّد بالهجمات الإرهابية على الحدود وسقوط القذائف وإسقاط الطائرات التركية.

ومن القوى التي وقفت وراء صنع قرار حزب العدالة والتنمية، هي الخوف من تشكيل منطقة كردية شبه مستقلة شمال سوريا الذي لا يخضع لسيطرة الحكومة، وعلى وجه التحديد منطقة يحكمها حزب الاتحاد الديمقراطي اليساري المتطرف (PYD).

ومن السخرية بمكان أن يتم الحفاظ على حزب (PYD) لإضعاف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جنوب شرق تركيا، في المنطقة ذات الأغلبية الكردية، ولتقويض الجهود السابقة التي طالما سعت إلى استقطاب دعم الأكراد ذوي الأفق الديني.

هذه الدائرة الرئيسية التي كانت ملتفتة حول حزب العدالة والتنمية انشقت عنه في الانتخابات الماضية واختارت التصويت لصالح رابع أكبر حزب سياسي في تركيا وهو حزب الشعوب الديمقراطي (HDP).

نجاح حزب (HDP) أحبط رهان حزب العدالة والتنمية

ترتبط أحزاب (HDP) و(PYD) بحزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي يقاتل كرًا وفرًا ضد الدولة التركية منذ عام 1984.

وصنّفت كل من أنقرة وواشنطن حزب العمال كمنظمة إرهابية على الرغم من مشاركتها سابقًا في محادثات سلام معه، لتعود حرب الكر والفر من جديد وتستمر لعدة سنوات.

حزب (HDP) جاء في المركز الثالث في صناديق الاقتراع يوم الأحد (7 حزيران)، ونجح في منع حزب العدالة والتنمية من الفوز بمقاعد كافية لتشكيل الحكومة، ما اضطر زعيم الحزب ورئيس الوزراء أحمد داوو أوغلو للتفكير في سياسية التحالف مع حزب آخر.

أيضًا نجاح (HDP) أحبط رهان العدالة والتنمية المدعوم من أردوغان في تغيير الدستور التركي وخلق “رئاسة تنفيذية” طالما سعى لها أردوغان ودعمها منذ عام 2011، على الأقل ظاهريًا لجعل تركيا أكثر كفاءة من خلال تخفيض القيود المفروضة على رئيس الدولة.

نجاح الحزب يعتبر مرآة سياسية لأبناء عمومته في الشمال السوري، ومنذ صيف عام 2012 تولى حزب (PYD) السيطرة على ثلاث مناطق غير متجاورة وهي عفرين وعين العرب(كوباني) والجزيرة بعد انسحاب قوات الأسد منها.

ودفع هذا النجاح العسكري حزب الاتحاد الديمقراطي في أنقرة إلى تبني سياسة العزلة السياسية والاقتصادية بإبقائه البوابات الحدودية مغلقة مع هذه الكانتونات الثلاث، في حين كانت الحدود متساهلة مع المناطق ذات الأغلبية العربية.

هزيمة تنظيم “الدولة” في كوباني  أججت المشاعر الكردية

في تشرين الثاني 2012، اتهم حزب الاتحاد الديمقراطي تركيا بدعم المعارضة بما فيها جبهة النصرة مؤخرًا، والتي تتبع لتنظيم القاعدة الرسمي في سوريا بعد هجومها على معاقله، بينما أفادت التقارير التركية عن دعم هذه الجماعات في ظل الشكاوي الكردية حول سياسة أنقرة في التراخي على الحدود في تلك الفترة وهذا ما ولّد نهاية المطاف اعتقادًا كبيرًا لدى الأتراك على أن أنقرة تدعم الإسلاميين بمن فيهم جبهة النصرة وابن عمها “العقائدي” تنظيم “الدولة الإسلامية”.

وأصبح هذا التصور حقيقة جنوب شرق تركيا حيث أيقن معظم الأكراد بأن أنقرة تدعم “الدولة”، وتعمقت وجهة النظر هذه خلال فترة حصار التنظيم لمدينة كوباني خريف عام 2014، حيث كثّفت أنقرة من أعداد الدبابات على الحدود لاحتواء انتشارها والتضييق على المتشديين من (PYD) الساعين إلى الاستفادة من الوضع لمهاجمة أهداف تركية.

الصور الملتقطة للدبابات التركية وهي تقف على التلال المطلة على المدينة بينما تقصف طائرات التحالف مقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي و”الدولة الإسلامية” عمّقت من مشاعر الاستياء الكردية تجاه حزب العدالة والتنمية، وأكّد للكثيرين منهم فكرة أن الحزب يستعين بالآخرين لمنع الحكم الكردي الذاتي.

التغطية الإعلامية المكثفة للحرب بين مقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي كمقاتلين “محبين للحرية” بدلًا من اعتبارهم “إرهابيين” وارتباطهم بحزب العمال الكردستاني كانت مقلقة للغاية بالنسبة لأنقرة، ما دفع أردوغان للتذمر من التركيز على كوباني على حساب الأجزاء الأخرى من سوريا، وبالتالي فشل القصف الجوي اليومي للأسد لكتائب الثوار المدعومة من تركيا في جذب انتباه العالم.

أردوغان، في فترة من تشرين الأول الماضي أشار إلى أن الحملة الجوية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ينبغي أن تستهدف كل من نظام الأسد وتنظيم الدولة بدلًا من استهدافها الأخير فقط، ولكن تعليقاته لم تصرف الأنظار عن واقع أقوى وهو تواصل مشاهد الجنازات للمقاتلين الأكراد داخل القرى الكردية جنوب شرق تركيا، إذ ساعد ذلك في دعم (HDP)، بتشييع العديد من المقاتلين القتلى.

في نهاية المطاف، هزيمة تنظيم الدولة على يد حزب الاتحاد الديمقراطي في كوباني أشعل المشاعر القومية الكردية في جميع أنحاء المنطقة، لا سيما في المناطق الحدودية مع تركيا التي يتخذها الآلاف من اللاجئين الأكراد مأوىً لهم، كما أسفر ذلك بتصاعد الضغط السياسي على عاتق (HDP)، الحزب الذي يملك حاليًا 81 مقعدًا في البرلمان التركي.

وينظر الأكراد في المنطقة الآن إلى زعيمهم صلاح الدين ديميرطاش كمتحدٍ لسياسة حزب العدالة والتنمية في سوريا، ومع ذلك وعلى الرغم من نجاح الأخير في الانتخابات إلا أن الأحزاب الباقية ستناضل بشكل كبير لتغيير سياسة حزب العدالة والتنمية في سوريا.

ما هي احتمالات تغيّر موقف تركيا السياسي؟

ولا يملك حزب (HDP) الأصوات الكافية لتغيير القوانين والسياسة بمفرده، ومن الواضع أنه لا يقكر في الانضمام لتحالف سياسي مع حزب العدالة والتنمية. وهذا ما يتركه أمام قليل من الخيارات لتغيير السياسة في البلاد، خارج نطاق طرحه علنًا للتساؤلات المثيرة للجدل حول سياسة حزب العدالة والتنمية في البرلمان.

وبقيامه بذلك يكون حزبًا معارضًا تقليديًا، وربما يفرض تغييرات من خلال طرحه لبعض الجوانب المشكوك بها والتي تتعلق بسياسة أنقرة تجاه سوريا، كما سيكون هدف برنامجه التعاطف المفرط مع (PYD).

ولا يزال الجزء الأكبر من دعم هذا الحزب يتجلى بأكراد تركيا، بينما كوّن نجاحه صورة لزعيمه ديميرطاش بأنه يتمتع بجاذبية واسعة لدى العرق الكردي، ولكن الحزب يسعى إلى إضعاف هذه الرواية وتعزيز اليمين القومي التركي، ومن المحتمل أن يتراجع عن مكاسبه الانتخابية في هذا السبيل.

وكأي حزب معارضة تركي يهدف برنامج حزب (HDP) لمعارضة العمل العسكري التركي في سوريا بشدة وهو ما يعني أن حزب العدالة والتنمية لن ينجح في الحصول على إذن تدخل عسكري على نطاق واسع عبر الحدود من البرلمان.

كل ما سبق يمكن أن يعرّض إنشاء المنطقة العازلة شمال سوريا بحماية الولايات المتحدة اقتراحًا “مفلسًا”، بحسب سياسيين أتراك.

بالإضافة إلى ذلك، تُقبل تركيا على اضطراب انتخابي على الأقل خلال الشهرين المقبلين، في حين تركز الأحزاب السياسية على إجراء مفاوضات ائتلافية.

وتعتبر السياسة الخارجية بالشكل العام قضية شعبية تهدف إلى متابعة المنافسين السياسيين المحتملين، وإذا فشلت المفاوضات الائتلافية فإن البلاد ستدخل في دورة انتخابية أخرى، الأمر الذي من شأنه أن يسمح لحزب العدالة والتنمية بالاحتفاظ بنفوذ قوي للتحكم باتجاه السياسة الخارجية التركية.

وهذا يعني أن يواصل حزب العدالة والتنمية لعب دور المهيمن على صياغة السياسة السورية في المدى القريب.

وأبعد من ذلك، لا تزال النخبة الأساسة المسؤولة عن سياسة حزب العدالة والتنمية في سوريا في مكانها، وتتكون معظمها من البيروقراطيين غير المنتخبين والذين يتصرفون بحسب ما يمليه الرئيس أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو.

وبينما قد يسعى أردوغان لاستبدال أوغلو فإنه من غير المحتمل أن يكسر أي من المرشحين لخلافته السياسة التي كان يتبعها وخاصة فيما يتعلق بدعم المعارضة التي تتقدم حاليًا في إدلب.

وعلى الرغم من تفوق حزب (HDP) على حزب العدالة والتنمية في استقطابه للناخبين الأكراد، إلا أن نجاحه لا يؤدي في الواقع إلى اختلاف في سياسة تركيا تجاه سوريا، وتشير كل المعطيات إلى أن الوضع الراهن سيستمر.

ولكن هناك تفاصيل بخصوص الإجراءات التي ستتخذها أنقرة في البرلمان، وهو الاستمرار في تسليح فصائل المعارضة ومساعدتها عبر الحدود، ولكن من غير المرجح أن يبقى الأمر سريًا لفترة طويلة جدًا، وهذا ما يجعل الوضع صعبًا على حزب العدالة والتنمية الذي لا تزال قياداته العليا ملتزمة بالإطاحة ببشار الأسد باعتبارها وسيلة لإنها الصراع السوري وتفعيل العناصر الرئيسية لسياستها الخارجية.

ترجمة عنب بلدي، لقراءة المقال باللغة الإنكليزية من المصدر: اضغط هنا.

تابعنا على تويتر


Top