أيتام ومشردون وحكومة

“المميزون”، دار الأيتام الأولى في حلب المحررة

2.jpg

.

يركض عمر مع إخوته داخل منزله الجديد راسمًا ابتسامةً عريضةً على وجهه الأسمر، بعد فترة طويلة قضاها بعيدًا عن أهله، الذين قضوا بقصف منزلهم داخل أحد أحياء مدينة حلب المحررة ببرميل متفجر.

عمر، هو أحد الأطفال الذين التحقوا بدار “المميزون”، التي بدأت استقبال الأيتام بداية حزيران الحالي بعد شهر من افتتاحها، برعاية مؤسسة “الأمة” التي تأسست مطلع 2013، ونظّمت عددًا من المشاريع التعليمية والتنموية، وأدارت العديد من المدارس عبر مكتبيها في إدلب وريفها بالإضافة إلى مكتبي مدينة حلب وريفها.

يعيش عمر مع أخواته مفيدة وخديجة، وأطفال من عائلة أخرى داخل الدار. ويتحدثون بسعادة عن تفاصيل حياتهم اليومية:

.

“المميزون”… أربع طوابق للأيتام

تقع الدار في مدينة حلب داخل القسم الذي يسيطر عليه “الثوار”، وتتألف من أربعة طوابق، اثنان منها تحت الأرض وتحوي 10 غرف منامة، بالإضافة إلى 5 أخرى تتنوع استخداماتها بين اللعب والدعم النفسي والدراسة. كما تضم الدار مسجدًا وحمامًا مستقلًا لكل غرفة، بحسب أسمر الحلبي، مدير مكتب مؤسسة الأمة في مدينة حلب ومدير الدار.

وتتوزع المكاتب الإدارية في الدار على 5 غرف، ويعمل فريقها (المكون من مدير ومعاون مدير ومرشدات نفسيات ومربيات ومستخدمات وطباخ ولوجستيين وحراس) على مدار اليوم، مقسمًا أوقاته إلى ثلاث ورديات، تتناوب كل 8 ساعات.

ويشير الحلبي إلى أن المؤسسة تكفل من خلال مشروع الأيتام، الذي تديره في محافظة حلب، معوناتٍ شهرية لهم، فضلًا عن عملها في العديد من الدراسات والمشاريع الجديدة وإدارتها لمشروع دار المميزون.

.

لدار “المميزون” من اسمها نصيب

بكري الزين، هو ناشط مدني في حلب، قال إن “للدار من اسمها نصيب، فرعايتها للأيتام المشردين فاقدي الأب والأم، من خلال الإمكانيات والتجهيزات وكادرها الكبير، هو أمر مميز”، مشيرًا في حديثه لعنب بلدي إلى أن “برنامج الدار متكامل ويهتم برعاية الأطفال وبتعليمهم والترفيه عنهم، إضافة إلى الأمور الأخرى التي تجذب الطفل”.

وعن قدرة الدار على تعويض النقص الذي يعاني منه الأطفال في غياب أهلهم، اعتبر الزين أن “فقدان الأم والأب شيء لا يعوّض، ولكن وجود الدار يخفف عن الأطفال المعاناة كحد أدنى”، مضيفًا “وصل عدد الأيتام في حلب إلى رقم خيالي وغير متوقع ولا يمكن تغطيته، لذلك يمكن أن يكون المكان الذي يجمعهم سوية شيء جيد”.

أما أبو النور، وهو أحد أعضاء مجلس ثوار صلاح الدين، فاعتبر أن الدار ضرورية في ظل الوضع الذي تمر به المدينة، على اعتبارها المشروع الأول من نوعه في المحافظة. ورغم شكوكه بجدوى المشروع عند افتتاحه، أقر أبو النور في حديثه لعنب بلدي أن الدار بديل جيد للأيتام داعيًا الجميع إلى المساعدة “بكافة الوسائل الممكنة”.

ونظرًا لأهمية رعاية اليتيم من الناحية النفسية والتربوية، حرصت إدارة الدار على تأمين مرشدات نفسيات لمتابعة الأيتام عن قرب وتوجيههم. عنب بلدي التقت أم يمان، معاونة مدير الدار ومرشدة نفسية فيها، وتحدّثت عن انطلاقة الدار ومتابعتهم للأطفال بشكل يومي:

.

الوضع التعليمي للأطفال “منهار”

عبدالله الدرويش، المسؤول التعليمي والتربوي للدار، قال إن المؤسسة تعمل في المدارس التي تشرف عليها بخطةاستعادة سنة للطلاب ذوي الأعمار الكبيرة، الذين يدرسون في صفوف دنيا، بعد حرمانهم من التعليم بسبب الأوضاع، وأضاف “وجودهم في الدار واستفادتهم من النشاط التعليمي فيها سيساعدنا كثيرًا حتى يبدؤوا العام الدراسي القادم في مرحلة مناسبة لعمرهم، كي لا يتأثروا نفسيًا بوجودهم مع أطفال أصغر منهم”.

وأشار الدرويش إلى أن وضع الأطفال التعليمي منهار، “الأطفال ذوي الأعمار من 9 إلى 13 سنة بوضعهم الحالي يجب أن يكونوا في الصف الأول حسب مستواهم العلمي”، مردفًا “سنحاول أن نرمم هذا الأمر ضمن الدار ليندمجوا بشكل جيد مع الصف الذي يناسب مستواهم العلمي وأعمارهم”.

الأيتام السوريين لغاية حزيران 2015

.

لا جهة رسمية تقدم دعمًا للدار

“حتى لو طلبناها لن تُنفذ، ولكننا نتمنى أن تتوسع التجربة لتشمل عددًا أكبر وتكون في أماكن أكثر أمنًا كتركيا، كونها مهمة وضروية جدًا لتوعية الأطفال وتوجيههم إلى الطريق الأمثل كي لا يشذوا ونخسرهم”، هذا ما قاله بكري الزين لدى سؤاله عن مطالب الأهالي من المجلس المحلي لمدينة حلب والحكومة المؤقتة.

وفي لقاء مسجل مع أسامة تلجو، رئيس المجلس المحلي لمدينة حلب بالنيابة، تحدّث عن أمور رعاية الأيتام في المدينة وتقديم الدعم النفسي لهم ومشاريع المجلس في هذا الصدد:

بدوره طالب حسام الحلبي، وهو ناشط إعلامي في مدينة حلب، المجلس المحلي والحكومة المؤقتة بدعم الدار ورفدها بالمتطلبات التي تحتاجها، لتقديم الرعاية المتكاملة والصحيحة للأيتام وتنميتهم فكريًا، “وجود الأطفال في الدار يعوضهم عن الحرمان من ذويهم، ونأمل من المجالس المحلية والحكومة أن تهتم بتوسيع هذه المشاريع لتشمل رعاية الأيتام في جميع المناطق السورية وليس في مدينة حلب فقط”.

أما أبو ديبو، قائد قطاع حي صلاح الدين، فاعتبر أن الدار “مساعدة إنسانية لأطفال الشهداء والأيتام الذين لا يجدون من يهتم بهم ويرعاهم ويلتفت إلى أمرهم”، مشيرًا إلى أن “الائتلاف لا يقدم دعمًا لهذه المشاريع المهمة، ويجب على مجلس المدينة أن يطّلع على الموضوع بشكل أكبر كونه أحد القضايا الحسّاسة التي تمسّ الأطفال، جيل مستقبل سوريا”.

.

الحكومة المؤقتة “مفلسة”

في اتصال مع الدكتورة سماح هدايا، وزيرة الثقافة وشؤون الأسرة في الحكومة المؤقتة، أوضحت لعنب بلدي أن الحكومة لديها خططًا ومشاريع تولي الأولوية للشؤون الاجتماعية وحقوق الأطفال والنساء واليتامى.

ورغم أن الوزيرة أبدت حماسها للعمل على الأرض، إلا أنها كانت شديدة الوضوح عندما قالت “دعنا نتكلم بشفافية، الحكومة المؤقتة مفلسة حاليًا ومن الممكن أن تنهار”.

د.سماح هدايا وزيرة الثقافة في الحكومة السورية المؤقتة

د.سماح هدايا وزيرة الثقافة في الحكومة السورية المؤقتة

وأضافت هدايا “ليس لدينا مصاريف للتشغيل كوزارة، ونحن نتواصل مع العديد من المنظمات والأصدقاء للحصول على الدعم لمشاريعنا في مختلف المجالات، بما فيها مشروع بيت الأسرة، الذي تقضي الخطة بأن يكون له فروع في جميع المناطق المحررة، ليقدم الرعاية والدعم الكامل للأيتام والأطفال والأرامل والنساء، من خلال برامج مدروسة ومتكاملة بالإضافة إلى النشاطات والفعاليات الثقافية”.

وأشارت الوزيرة في ختام حديثها إلى أن فشل الحكومة السورية المؤقتة في القيام بدورها، هو أمر يتحمله الواقع السوري السياسي والاجتماعي والفكري والأخلاقي، وما يرتبط به من ظروف إقليمية ودولية، مضيفةً “يجب ألا يُفهم موضوع الدعم للحكومة والائتلاف على أنه موجهٌ لأشخاص أو مؤسسة، بل باعتباره برنامج عملٍ حقيقي مرتبط بالأرض، وإن نظرنا بعيدًا عن كل الخلافات التقليدية للمعارضة والاتجاهات الغوغائية فلا يمكن إلقاء اللوم على شخص أو جهة بعينها وتحميلها مسؤولية الواقع كله”.

مع استمرار المعارك في سوريا وتزايد وتيرة القصف بمختلف أنواع الأسلحة وأخطرها، كالبراميل المتفجرة التي أودت بحياة آلاف المدنيين والأطفال وأحالت البنية التحتية في مدينة حلب إلى “ركام”، أصبح من الضروري التوجه للمشاريع التي تأخذ على عاتقها مسؤولية كفالة الأيتام، الذين فقدوا الرعاية الصحية والدعم النفسي، في جو بعيد عن الحرب والعنف والدمار.

أعد هذا التقرير بدعم من البرنامج الإقليمي السوري

تابعنا على تويتر


Top