بعد تل أبيض.. الرقة هي الوجهة المقبلة

حلفاء أمريكا في سوريا يقطعون طريق الإمداد عن “الدولة”

Untitled2.png

نجح الهجوم المباغت للمقاتلين الأكراد وحلفائهم من المعارضة معززين بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، في قطع طرق الإمداد للدولة الإسلامية، مقدمين نموذجًا لاستعادة السيطرة على الأرض من “جماعة متطرفة”.

نور ملص – أيلا البيرك – جوليان بارنيز – وول ستريت جورنال
نُشر في 16 حزيران 2015

“بشجاعتنا تمكنّا من الاستيلاء على تل أبيض”، عبارة قالها التحالف الكردي السوري أمس الثلاثاء (16 حزيران)، مشيرًا إلى أن هدفه التالي هو مدينة الرقة، معقل تنظيم “الدولة الإسلامية” الرئيسي في سوريا، الذي يقع على بعد قرابة 90 كيلومترًا إلى الجنوب من تل أبيض.

بدورهم قال مقاتلون أكراد الاثنين الماضي إنهم بدؤوا بالفعل بتعزيز قواتهم جنوبًا باتجاه الرقة، عبر بلدة عين عيسى التي تبعد قرابة 70 كيلومترًا، وأشار شيرفان درويش، المتحدث باسم تحالف الفصائل الكردية المعارضة المعروفة باسم (YPG)، “سنتحرك لتحرير الرقة في المستقبل القريب”.

وعلى الرغم من التصريحات السابقة، إلا أنه ليس هناك حتى الآن تخطيط عسكري على الحدود من قبل قوات التحالف التي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية فيما يخص هجومًا وشيكًا على مدينة الرقة، وهو ما يعتبر “طموحًا أكبر” من استعادة مدينة تل أبيض.

تزامن “الانتصار” في سوريا مع نجاحات أخرى هذا الأسبوع في الحملة العالمية لمكافحة الإرهاب في أمريكا، إذ قالت وكالة الاستخبارات المركزية أمس الثلاثاء، إن زعيم تنظيم القاعدة الثاني في العالم قتل إثر هجوم شنته طائرة من دون طيار في اليمن، كما يُعتقَد أن ضربة عسكرية أمريكية قتلت آخر رفيع المستوى في ليبيا.

تنظيم “الدولة” يفقد السيطرة بعد أكثر من عام

رفرف العلم الأصفر لـ (YPG) الثلاثاء الماضي في منتصف مدينة تل أبيض وكان مرئيًا في مدينة أكشكالي التركية الحدودية، إحياء لذكرى هؤلاء الذين قتلوا على يد تنظيم “الدولة” بعد أن حلت محله “الراية السوداء” للتنظيم خلال أكثر من عام.

ومشّط المقاتلون الأكراد، والفصائل المعارضة المشاركة، المدينة والمنطقة المحيطة بها من الألغام والأفخاخ، واحتفلوا بالنصر بعد ثلاثة أيام من القتال على حدود المدينة وأسبوعين من الضربات الجوية المركزة للتحالف.

من جهته قال مسؤولون أمريكيون إنه كان انتصارًا كبيرًا ومن المرجح أن يُسَيطَر على الرقة خلال وقت قريب، لكنهم قالوا إن مسلحي تنظيم “الدولة” يحاولون فتح طرق وخطوط إمداد جديدة لجلب مقاتلين من خارج سوريا، بعد قطع خط الإمداد الرئيسي للمقاتلين الأجانب والإمدادات الأخرى التي تمر عبر تل أبيض الواقعة على الحدود مع تركيا.

ورفض المسؤولون تحديد الخطوات المقبلة للقوات التي تعمل ضد تنظيم “الدولة”، سواء كان في الرقة أو أي مكان آخر.

مقاتلون أكراد يحملون أعلامهم في مدينة تل أبيض بعد استعادتها من تنظيم "الدولة الإسلامية"  15 حزيران 2015

مقاتلون أكراد يحملون أعلامهم في مدينة تل أبيض بعد استعادتها من تنظيم “الدولة الإسلامية” 15 حزيران 2015

وجاءت هزيمة التنظيم بعد تحقيقه بعض المكاسب الهامة في الآونة الأخيرة، كالسيطرة على مدينة تدمر وسط سوريا الغنية بالآثار القديمة، وعلى مدينة الرمادي عاصمة أكبر المحافظات العراقية، كما نجح مقاتلو التنظيم في السيطرة على مدينة بيجي العراقية أحد المراكز الهامة لتكرير النفط ، وربما سيواجهون تحديًا قويًا من القوات العراقية.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية كثّفت تركيزها على مدينة تل أبيض وعملت مع قوات (YPG)، لأكثر من شهرين، ولكن ووفقًا لمسؤول أمريكي فقد اختار التحالف والأكراد عدم تسليط الضوء على أهمية الموقع الذي سيطروا عليه، وأشار المسؤول إلى أن مقاتلي التنظيم أدركوا فقدانهم السيطرة وحاولوا تعزيز تواجدهم في المدينة ولكن بعد فوات الأوان، مضيفًا “التركيز على الرمادي وبيجي أفقدهم البصر، إنه انتصار كبير جدًا”.

بدوره قال إدغار فاسكيز، المتحدث باسم مكتب شؤون الشرق الأدنى التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، “إذا استمرت قوات مكافحة الدولة الإسلامية في السيطرة على المدينة، هناك احتمال لحدوث خلل كبير في تدفق المقاتلين الأجانب والمستلزمات غير المشروعة بشكل غير قانوني من تركيا إلى شمال سوريا والعراق”.

استراتيجية أمريكا أفضل في المناطق الكردية

وقال المقاتلون الأكراد وحلفاؤهم من المعارضة إن التقدم الأخير لهم جاء بمساعدة الضربات الأمريكية في المنطقة المحيطة بالرقة، إذ نفّذت قوات التحالف قرابة 23 غارة جوية بالقرب من المدينة خلال الأسبوعين الماضيين، وفقًا للقيادة المركزية في الجيش الأمريكي؛ أي أكثر من ضعف الرقم في نفس المنطقة خلال أيار المنصرم.

جاءت عملية السيطرة على مدينة تل أبيض كجزء متعدد الجوانب لقطع خطوط إمداد تنظيم “الدولة”، ليس فقط من تركيا إلى الرقة وإنما أيضًا عبر الحدود مع العراق.

وجاء الهجوم على المدينة بعكس المعركة التي دعمتها الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا العام على مدينة كوباني الحدودية، التي كانت بمشاركة (YPG) أيضًا، وأظهرت المعركتان القوات الكردية والولايات المتحدة كشريكين على أرض الواقع ضد تنظيم “الدولة”.

جوش آرنست، المتحدث الإعلامي باسم البيت الأبيض، قال الثلاثاء “هذا مثال آخر على وصفة النجاح الذي جرى مؤخرًا في أماكن أخرى بما فيها تكريت، وهذا إشارة على أن التحالف قادر على العودة متى شاء”، مشيرًا إلى فعالية المقاتلين المحليين على الأرض وقدرتهم على إحراز تقدم مهم ضد تنظيم “الدولة”.

واعترف مسؤولون بأن استراتيجيتهم تجاه تنظيم “الدولة” تعمل على نحو أفضل في المناطق الكردية أكثر من المناطق ذات الغالبية السنية في العراق، بعد استعادة السيطرة على قرابة 31 ألف كيلو متر مربع منه، وذلك بسبب اتحاد الأكراد ضد التنظيم فيما لا تزال العشائر السنية منقسمة.

وأشاروا إلى أن قوات التحالف تنسق عن كثب مع الأكراد شمال سوريا عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي، كما فعلوا مع قوات البيشمركة الكردية شمال العراق، ولكن في العراق عكس سوريا إذ تملك الولايات المتحدة مستشارين على الأرض.

المكاسب الأخيرة توطّد سلطة (YPG)، الأكراد السوريون يسيطرون حاليًا على مساحات متجاورة ممتدة على قرابة 395 كيلومترًا من كوباني على الحدود السورية التركية شرقًا، فيما يبقى الجزء الوحيد من الحدود الذي يسيطر عليه تنظيم “الدولة” هو الواقع بين كوباني وحلب.

واشنطن وتركيا على خلاف حول كيفية معالجة مشكلة تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا.

تخوّف من النزعة الانفصالية الكردية

على الحدود التركية، يخشى المسؤولون من تغذية النزعة الانفصالية الكردية، إذ ينتمي حزب العمال الكردستاني أو PKK في تركيا إلى (YPG)، وهو الحزب الذي تمرد منذ ثلاثة عقود ضد الدولة التركية واعتبر بمثابة مجموعة إرهابية لدى كل من أنقرة وواشنطن والاتحاد الأوروبي.

“لم ننضم لهذه المعركة كبعض البلدان الأخرى ولدينا أساب وجيهة للغاية”، قال نائب رئيس الوزراء التركي بولنت أرينج، خلال اجتماع لمجلس الوزراء الاثنين الماضي.

بدورها قالت دينيس ناتالي، خبيرة الشؤون الكردية في جامعة الدفاع الوطني بواشنطن، إن (YPG) قوة محلية فعالة وشريكة في التحالف الموثوق على الأرض وربما هي الأكثر فعالية في كل من سوريا والعراق، مضيفةً “الوضع في سوريا لا يختلف عما يحدث في العراق: النجاحات الكردية على الأرض في طرد تنظيم الدولة من ملاذه الآمن جعل الجماعات القومية الكردية أكثر جرأة وأكثر قدرة على إثارة التوترات العرقية، ولكن نجاحها سيجلب مخاوف كبيرة عبر الحدود مع تركيا”.

وتثير مكاسب (YPG) شمال سوريا مخاوف بشأن مزيد من التفكك، وبالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها هناك تساؤل حول الخطوة القادمة لـ (YPG) والتوزيع العادل للحكم المحلي مع فصائل المعارضة السورية، ما يمنع الأكراد من مهاجمة العرب، وهذا مصدر قلق أكبر من أن ينظر إلى انتسابه لحزب العمال الكردستاني.

وقال الجيش الأمريكي إنه يتابع عن كثب الشكاوى في المنطقة من أن العرب يُطردون من المناطق التي عاشوا فيها حياتهم بعد الهجوم الكردي، في حين أشار مسؤولون إلى أنهم لم يروا أي دليل على ذلك حتى الآن.

بدوره قال عدنان الحسين، وهو مقيم سابق في القرى العربية غرب مدينة تل أبيض التي سيطر عليها (YPG) مؤخرًا، “إن القوات الكردية تحاول تقديم صورة كاذبة حول التشاركية”، مضيفًا “لن يقبل العرب بقيام دولة كردية، الناس صامتون لأن الأكراد يقتلون تنظيم الدولة الآن ولكن عندما يغادر التنظيم سيأتي العرب من جميع أنحاء سوريا لمحاربة الأكراد”.

ترجمة عنب بلدي، لقراءة المقال باللغة الإنكليزية من المصدر اضغط هنا.

تابعنا على تويتر


Top