باولو بينيرو يكتب: الجمود حيال سوريا مسؤولية مشتركة ويجب كسره

789999.jpg

الفوضى التي اجتاحت سوريا لم تعد تؤثر داخلها فقط وإنما على الذين لجؤوا إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط – وكالة الأناضول

حتى الآن، تُظهر تصرفات الدول الإقليمية ذات النفوذ استعدادًا أكبر لتأجيج الحرب من العمل لإحلال السلام وهذا يجب أن يتغير.

باولو بينيرو – الغارديان
نُشر في 18 حزيران 2015

الشخص رقم 3823 الذي أجريت معه مقابلة من قبل لجنة تقصي الحقائق في سوريا كان صبيًا يبلغ من العمر 16 عامًا، تعافى مؤخرًا من إصابة كبيرة تعرض لها ولم يكن بإمكانه علاجها داخل بلاده في الوقت الذي تتعرض المستشفيات فيه للهجوم عمدًا وبشكل عشوائي، وتُمنع المساعدات الطبية من الوصول إلى من هم بأمس الحاجة إليها.

الصبي، والمعروف باسم Z أصبح واحدًا من أكثر من 10 ملايين سوري (أكثر من نصف سكان البلاد)، فروا من منازلهم بحثًا عن سلامتهم، وبقي على قيد الحياة بعد تدخل عمال البحث والإنقاذ السوريين في الوقت المناسب، بالإضافة إلى مهارة الأطباء الأجانب وحظه الجيد الذي منعه من الانضمام إلى مئات الآلاف من القتلى السوريين منذ بداية الأزمة في آذار 2011.

تعتبر سوريا واحدة من ساحات القتال الأكثر عشوائية وفتكًا في العالم مع وجود مئات من الميليشيات المسلحة، والحروب داخل الحروب تمزق الشعب السوري وبلاده.

أخبرنا الصبي Z أنه أصيب ببرميل متفجر بعد قصف قريته في محافظة درعا جنوب سوريا من قبل مروحيات النظام، التي تشنه بشكل مستمر وبأعداد لا تعد ولا تحصى في جميع أنحاء البلاد بما فيها إدلب وحلب في الآونة الأخيرة.

آخرون أيضًا لقوا مصرعهم بالصواريخ التي تتساقط على مدينة دمشق من قبل المعارضة المسلحة، وتلاميذ مدارس قتلوا في حمص بتفجير سيارة مفخخة لانتحاري من جبهة النصرة، فيما أعدم أطفال لا تتجاوز أعمارهم عمر Z علنًا على يد تنظيم “الدولة الإسلامية”، بالإضافة إلى أطفال لقوا حتفهم بعد تجنيدهم في القتال.

الصدمة التي يعاني منها الأطفال في سوريا أمر لا يُطاق

الأذى الذي لحق بالصبي Z يعاني منه العديد من الرجال والنساء والأطفال المحتجزين في مراكز التعذيب والاعتقال الرسمية والمؤقتة للأطراف المتحاربة، إذ إن عددًا لا يحصى من الأقارب قتلوا أو اختفوا.

جميع السوريين هم ضحايا هذه الحرب الطويلة والدموية، إذ فر الملايين منهم من ديارهم بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين، سنة كانوا أم شيعة أم أكرادًا، فلسطينيين أم دروزًا أم من أي طائفة سورية أخرى.

زملائي في المفوضية كارين أبو زيد وكارلا ديل بونتي وفيتيت مونتاربورن، نشروا تفاضيل انتهاكات القانون الدولي في 9 تقارير منفصلة ولحقها العشرات من التحديثات لهذه التقارير، بالإضافة إلى الخطب والاجتماعات الدبلوماسية.

وبعد أربع سنوات من تعوّد المجتمع الدولي -على ما يبدو- على أعمال العنف في سوريا، تستمر التقارير -التي توثق استخدام الأسلحة الكيميائية في القتال وتضور الناس من الجوع وموتهم جراء الحصار- بالصدور لانتزاع عبارات التعاطف فقط، دون حراك للمجتمع الدولي نحو حل سياسي، طالما اعترف أنه الحل الوحيد لإنهاء الصراع في سوريا.

نحن نعتقد بأن استمرار الحرب يمثل فشل الحل الدبلوماسي، كما أن الدول ذات النفوذ عملت دائمًا على المراوغة في جهودها لإخماد الصراع في سوريا، إذ تظهر أعمالها بأنها مستعدة لتأجيج الحرب أكثر من سعيها لإحقاق السلام عبر نشرها المال والمقاتلين والأسلحة، الأمر الذي يزيد من لهيبها، والنتيجة من كل ذلك هو جمود مرير ودموي.

يُولّد الانتقال عبر خطوط الجبهة الأمامية سعيًا لتحقيق المكاسب التكتيكية وهمًا بأن الحل العسكري للصراع أمر ممكن، ولكن طريق إنهاء الحرب في الواقع لا يزال مسدودًا في الوقت الذي يزداد فيه العنف ممزقًا النسيج الاجتماعي للشعب السوري.
غياب اتخاذ الإجراء الحاسم من قبل المجتمع الدولي يُغذي ويُرسّخ ثقافة الإفلات من العقاب.

ولم تعد تؤثر الفوضى التي اجتاحت سوريا عليها وحدها فحسب،  بل على السوريين الذين لجؤوا إلى أوروبا أيضًا والذين يلقون حتفهم غرقًا في البحر المتوسط، في الوقت الذي ترى فيه الشباب المسلمين يشقون طريقهم إلى سوريا بقصد صريح لزيادة الدماء في ساحات القتال الغارقة أصلًا به.

في ميثاق الأمم المتحدة قررت الدول “أن تنقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي جلبت حزنًا لا يوصف للبشرية”.

يستحق الشعب السوري هذا الالتزام ليعود السلام إلى بلده، ويجب على البلدان الجالسين في مجلس الأمن فتح الطريق نحو تحصيل الضحايا لحقهم وإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويجب على الدول المؤثرة أن تدعم بشكل مستمر سياسيًا وبشكل غير مشروط استعداد الطرفين لتقديم تنازلات وللتفاوض.

خلق الظروف للقبول بالمفاوضات هو مسؤولية مشتركة ولا يمكن أن تتحقق دون وضع المصالح الوطنية الضيقة لبعض الدول جانبًا، وتكاتف المجتمع الدولي الذي يحمل في حد ذاته المثل العليا لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى الإدراك أنه بدون السلام والعدالة في سوريا سنعاني جميعًا من العواقب.

31b03e6af8باولو بينيرو، هو رئيس لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في سوريا

ترجمة عنب بلدي، لقراءة المقال باللغة الإنكليزية من المصدر اضغط هنا.

تابعنا على تويتر


Top