هل يحكم الدين دول العالم ؟!

321.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 34 – الاحد – 14-10-2012

   عتيق – حُمص

واحدٌ من التفاسير التي قد نسمعها أحيانًا حول ما نمرّ به من خذلان عالمي عن مساندة الثورة السوريّة، هو التفسير الديني أو الطائفي.

فمثلًا دعم إيران اللامحدود لنظام الأسد، هو استماتة في محاولة نشر المشروع الشيعي في المنطقة، فطالما كان الأسد خير مُعين على تمرير مخططهم في سوريا، وربما يستشهد البعض بما يقال عن تشيّع مئات الأسر في السنوات السابقة، وبحال المسجد الأموي في قلب دمشق، وغيرها من الشواهد… فدعمهم هذا سببه ديني طائفي حسب هذا المنظور.

بينما موقف إسرائيل وأمريكا والغرب وراء كل هذا الصمت الدولي وحالة اللافعل، ومشاهدة سوريا تتدمر تمامًا، ويتمزق فيها النسيج الاجتماعي، وينهار الاقتصاد الوطني… مرّد ذلك كله إلى «الحرب على الإسلام» والكيد لهذا الدين، مصداقًا لقوله تعالى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم …

هذا التفسير مدعوم من قبل المؤسسة الدينية، وطريقة التفكير السائدة، التي تحاول دائما اختصار الأبعاد، وتبسيط الأمور إلى أدنى حدٍ. لكن بقليلٍ من التفكير وإثارة بعض الأسئلة، ستبدو هذه الطريقة في التفكير عاجزة عن الإجابة، وسيبدو أن نموذجها التفسيري ذلك، قاصرٌ عن إيجاد تفسيرات لقضايا ومواقف أخرى مشابهة.

عندما نتحدث عن دولة ما، فنحن نتحدث عن منظومة معقّدة للغاية، تتقاطع فيها المصالح، وتُبنى قراراتها على توازنات عديدة، وفيها إرادات متصارعة… لكن بشكل عام، تسير هذه الدول وفق مصالحها القوميّة بالدرجة الأولى، ومهما كانت هذه المصالح متعارضة مع مكاسب أخرى (دينيّة مثلًا) فإنها تُقدّم لا محالة.

لنأخذ مثلًا إيران ومشروعها في نشر التشيع وتصدير الثورة: إيران حالها حال أيّ دولةٍ أخرى تحمل أيديولوجيا ما، ترى أنها الصواب، وما سواها خطأ، ويجب أن تُعمَم هذه الأيديولوجيا، وتُنشَر، ولو بقوة السلاح… دائمًا ما ترغب الكيانات في نشر ثقافتها ومنظومتها المعرفيّة في أنحاء العالم. وهذا ما نسميه نحن مثلًا: الدعوة إلى الله، وما يسميه المسيحي: التبشير بعيسى… وهكذا أتباع كل مذهب يسعون لنشر مذهبهم، فلا أدري ما الجديد مع إيران.

لكن هل المشروع الشيعي يعتبر المصلحة العليا في إيران؟

بالتأكيد لا، رغم أهميته!!

وإلا فكيف نفسر علاقة إيران مع دولة أذربيجان الشيعيّة مثلًا، وهي، حسب أحد المسؤولين الأذريين، «علاقة عداء شديد». لقد تنازعت إيران مع أذربيجان حول بعض المناطق الحدودية وآبار النفط، فبلغت الأمور بينهما مبلغ الحرب، وراحوا يقتلون بعضهم بعضًا، وهم أبناء طائفة واحدة! فما الذي دفعهم إلى ذلك؟ إنها المصالح القومية، والتي تجلت هنا بالنفط والنفوذ… وها هي أذربيجان مرشحة اليوم لتكون قاعدة هجوم إسرائيلية على إيران!

لا يمكننا أن نسحب المصطلحات الدينية لتتطابق مع المصطلحات السياسيّة التي نريد بعشوائية ساذجة، إيران لا يمكن اختصارها بمذهب ديني.

وهذا مشابه في تفسير «اليهود» و «النصارى» في الآية الكريمة : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى .. بإسرائيل، والغرب!

إسرائيل مثلًا محكومة بالصهيونيّة التي تأخذ من الدين اليهودي قدرته على تعبئة الجماهير خلف هذا المشروع لخدمته، ومصالحها القوميّة فوق أي اعتبار. نعم، هناك علاقة تقاطع وتبادل مصالح بين «اليهود» و «الصهيونية» لكن ليس ببساطة أن يصبحا شيئًا واحدًا، هناك إرادات متصارعة داخل إسرائيل، وعداء بين بعض المذاهب اليهودية.

ومن يطلع على المجتمع الإسرائيلي يعلم أنه مجتمع علماني بشكل كبير جدًا، ويتجه أكثر فأكثر نحو العلمانية، وصورتنا عن إسرائيل المتدينة ذات العقيدة اليهودية والطقوس الصارمة ليست صحيحة أبدًا، ويمكن في هذا الرجوع إلى كتابات المؤلف عبد الوهاب المسيري، أو حتى موسوعة اليهود للدكتور طارق السويدان.

ونفس الكلام يقال عن الغرب.

مرة أخرى، هذا ليس نفيًا أن لكل كيان سياسي مشروعًا معرفيًا ورغبة شديدة في نشر هذا المشروع، لكن المصالح القوميّة دومًا مقدمّة، ويمكننا لو تحلينا بقليل من الحنكة السياسيّة أن نستثمر في هذه المصالح لنحيّد تلك المشاريع الدينية.

تابعنا على تويتر


Top