الثورة وحمى الاستهلاك

291.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 34 – الاحد – 14-10-2012

شاهدت صباحًا بثًا حيًا من مدينة نيويورك الأمريكية، حيث الأسواق تضجّ بالناس وناطحات «الاستهلاك» تشتعل وتنطفئ بإعلاناتها التي تخطف العقول، وتسرق عيون المارة لتتابعها برضاها أو رغمًا عنها! معلنةً عن سلع جديدة ومنتجات وليدة تجذب المزيد من الناس، وتأتي بهم إلى المولات ومراكز التسوق ليجترّوا المزيد والمزيد من السلع حيث الاستهلاك ثم الاستهلاك هي الثقافة السائدة هناك .

لا أحد يستطيع أن ينكر أن نمط الحياه الغربية عامة والأمريكية خاصة قد تسربل إلى مجتمعاتنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وخاصة الشق المتعلق منها بالاستهلاك، ذلك أنّ العولمة ودخول تفاصيل الحياه الأمريكية إلى بيوتنا عبر وسائل الاتصال الحديثة حوّلت الكثير من الكماليات والمرفِهات إلى حاجات وضروريات وذلك من خلال الجهد والمال اللذان يُبذلان في مجال الدعاية والإعلان للترويج لتلك الكماليات .

فقبل انطلاق ثورة الحرية والكرامة في سوريا بل وحتى في الأشهر الأولى منها، كان الناس يرتادون الأسواق ليأتوا بالجديد دومًا انطلاقًا من الحكمة الأمريكيّة المترسخة في بواطن عقولنا والقائلة: «إن الجديد دومًا هو الجيّد Good is new»  حيث ثقافة الاستبدال تغزو العقول والقلوب، فالجديد هو اللامع والجديد هو من تضفو عليه القداسة ويبعث في النفس الطمأنينة، وذلك بعكس كل القيم القديمة التي تقول إن القديم هو صاحب الأفضلية .

ففي عهد ما قبل الثورة ركبَنا شيطانُ التسوق لسنوات، وساد بيننا وفرضَ نفسه على الجميع، فغالبًا ما يتحسر الفقير لعدم قدرته على شراء السلع، ويفعل مثله الغني لأنه لا يدري أين يذهب بالمزيد من السلع! فالشعور بالرضا أصبح مرتبطًا بالاستهلاك. واستشرى ذلك المرض بشكل خطير جدًا في مجتمعنا، في حين أن الإحصائيات تقول أن الذين قالوا إنهم سعداء لم يكونوا من الأغنياء جداَ !!

الانقطاع « القسري» الذي فرضته الثورة عن الأسواق في الكثير من المدن المشتعلة بعد أن دمّرت آلةُ القتل والتدمير التابعة للأسد الأسواق، وبعد أن حرق «رجال الوطن البواسل» الأسواق القديمة والحديثة، هذا الانقطاع علينا أن نستغلّه جيدًا، يجب أن  يعطينا الفرصة لنستعيد التوازن الذي فقدناه طوال الفترات السابقة، التوازن في العيش، التوازن فيما نريد من هذه الحياة !

لاحظنا أن الناس بسبب الظروف الأمنية الصعبة قد مُنعوا من الذهاب إلى الأسواق لأشهر في هذه الثورة، إلا أننا لم نشاهد أحدًا منهم مات لأنه مُنع من التسوق، ولم نسمع أن أحدًا قد أصابه الشلل من جراء عدم ارتياده الأسواق والمولات يوميًا! كان السواد الأعظم من الناس قبل الثورة تعيش لتأكل وتشرب وتتسوّق، أما الآن أصبحت تأكل وتشرب ولا تتسوق ومازالت تعيش. إذًا، الاستهلاك إدمان يعالجه بيمارستان الثورة شيئاً فشيئاً لا أكثر .

الثورة برهنت أننا أصحاب إرادة قوية جدًا، والعمل على تسليط الضوء على تلك الإرادة وتعزيزها في نفوس أبناء مجتمعنا جزء كبير من من معالجة قضية الاستهلاك، فالقصور في الإرادة هو الذي يمنعنا من القيام بالكثير من الأعمال. والثورة أتاحت لنا الفرصة المناسبة لنعزز من ثقافة الانقطاع عن الأسواق ولنقوي إرادة الناس في ذلك، لنؤكد باستمرار للناس قول النبي «قليلٌ يُغني خيرٌ من كثير يُطغي» لنبين للناس أن اليقين والسعادة والطمأنينة ليست بالاستهلاك وإنما بعبادة الله سبحانه «واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين».

فلنعمل معًا على  تجاوز حمّى الاستهلاك بعد أن لازمتنا لسنوات وسنوات، ولنؤكد للناس أن ما نمتلكه من سلع ومتاع قليل قديم يكفينا من أجل عيش حرّ كريم .

تابعنا على تويتر


Top