رمضانيّات المعتقلين.. حسرة وإصرار على الصيام

_.jpg

محمد فواز

يختلف شهر رمضان في سوريا بين المناطق الخاضعة للنظام وتلك المحررة، وبين من يمارس شعائره في ظل القصف والحرب اليومية إلا أنه حر، وذلك المنعزل عن العالم الخارجي في زنزانته يفتقد لأدنى درجات الأمان والراحة والحرية.

«من بين أصوات تلك المدافع التي كانت تطلق يوميًا من قربنا داخل فرع فلسطين، نحاول أن نسمع صوت مدفع إثبات رمضان؛ المدفع الوحيد الذي تعودنا أن نسمعه قبل الثورة، ولكن عبثًا نحاول»، يتحدث محمد عن تجربة اعتقاله تزامنًا مع شهر رمضان في فرع فلسطين الشهير في العاصمة دمشق.

ويتابع محمد «أتممنا عدة شهر شعبان ونوينا الصوم، لا تغيير في أوقات الوجبات في رمضان، بل الصوم ممنوع ومن أمسك به السجان يمتنع عن الطعام فسيقتادونه للتعذيب.. الصوم جريمة داخل معتقلات الأسد حيث حرية كل شيء ممنوعة».

يقوم السجان بدوريات مفاجئة ليرى إن كان أحدهم يخفي طعامًا، وفي أغلب الوجبات يقدم الطعام ويتأكد من أن الجميع يتناولون وجباتهم، ليس للاطمئنان على صحتهم ولكن للتأكد بأنه لا يوجد معتقل يؤدي فريضة الصيام في الزنزانة، يكمل محمد «في أول يوم دخل علينا وأجبرنا على الأكل.. قال لي أحد المعتقلين وهو في الخمسين من عمره: الله ينتقم منهم هي أول مرة بفطر بكل حياتي وصار يبكي».

وحيث اللاقانون، لكل فرع قانونه الخاص بل لكل سجان مزاجه، «ففي فرع الفيحاء، الذي قضيت فيه رمضان الماضي ركضنا إلى أحد المعتقلين الجدد الذي دخل قبل رمضان بيومين لنسأله: متى سيكون رمضان في أي يوم، وكما أن الغريق يتعلق بقشة سألناه هل سيصدر عفو في شهر رمضان».

لم يكن الصيام ممنوعًا في هذا الفرع ولكن لا تغيير في أوقات الوجبات، كنا نخبئ قطعة الخبز و»لقمة» المربى التي تقدم في الفطور تحت رأسنا لتكون طعام السحور، أما حفنة الأرز ورغيف الخبز فكان وجبة الإفطار.

الحرارة العالية كانت أحيانًا تؤدي إلى فساد الطعام، إلا أنه ورغم الحر وقلة الطعام والشراب وظروف المعتقل، فقد كان الجميع مستمتعًا بالصيام، «ربما لإحساسنا أننا فعلنا شيئًا ما بإرادتنا وبأننا نلنا قسطًا من الحرية، نمتنع عن الطعام المقدم من قبل السجان بإرادتنا ونأكل بإرادتنا».

«كنا ننتظر سماع صوت المؤذن القريب منا لنعلم متى يدخل المغرب، وضعت حفنة الأرز ورغيف الخبز في أول أيام رمضان لأسرح بخيالي وأذكر إفطاري في منزلي، أدركت لحظتها كم كنت منعمًا وأحسست بالذنب عن الماضي، فكل تلك الأصناف التي كانت توضع أمامي لم أكن أقدّرها».

«شربت الماء وأكلت ما وضع أمامي، وتمنيت أن يكون أهلي بخير ويأكلون الطعام الذي تعودنا تناوله سويًا وإن لم أكن معهم. وكان عهدي لنفسي ألا أحقر نعمة الله مرة أخرى … أتت بعد قليل وجبة العشاء (الشوربة) التي نضطر لشربها فورًا كي لا تفسد، منتظرين سحور لقمة المربى».

وعلى عكس حياة الناس في رمضان خارج المعتقل يمضي الليل طويلًا، ويحاول المعتقلون أن يملؤوه بأحاديث عن الوجبات التي يفضلونها في منازلهم وبرامج حياتهم في رمضان.

يبكي أحدهم حسرة على ما هو فيه، داعيًا الله أن يقضي ولو يومًا واحدًا في رمضان خارج المعتقل.

تابعنا على تويتر


Top