الغربة… بعيدًا عن الفهم التقليدي السائد

بيلسان عمر

هل جلست بين مئات الناس وشعرت بالغربة؟ هل مرت عليك لحظات لم تعرف بها نفسك وما تشتهيه؟ هل غبت عن وعي ذاتك سويعات بل وأيام؟ هل شعرت بأنك لست أنت؟ وأنك لا تنتمي لذاتك؟ وأنك قادم من خارج المجرة كلها؟ هل شعرت بلامبالاة قاتلة؟ وبتشاؤم متناقض يتسلل الفرح إليه برهبة؟ وهل أعيتك قلة الحيلة رغم إمكاناتك الكبيرة؟ وهل شخّص أحدهم لك حالتك بأنك تعاني من اضطرابات القلق، والاكتئاب العصابي وعسر المزاج وتبدد الشخصية؟

تبدّد الشخصية

إن كنت تسمع بهذا المصطلح لأول مرة، فلك أن تقرأ ما قيل عنه من قبل أحد الأطباء إذ «يستعمل في الطب النفسي ليشير إلى اضطرابات يتغير فيها إدراك الفرد لنفسه ومحيطه، فيتلاشى إحساسه بمشاعره وكيانه النفسي، ويبدو محيطه وكأنه مزيف، ويشعر بشكل مستمر بأنه يراقب نفسه من خارج جسمه، لدرجة أنه يشعر وكأنه يعيش في حلم، قد تأتي هذه الحالة على الإنسان لفترة قصيرة، وقد تطول لتصبح حالة مرضية تتطلب علاجًا، ليجد الإنسان نفسه أمام علاقة بين الإنسان والمكان تعكس تناقضًا بين الشعور بالسأم والرغبة في الفرار، سواء من الماضي الجاثم بقوة على الذاكرة، أو المستقبل الذي يلوح بخياله بين مقترب ومبتعد، لتأتي هذه الغربة متعددة الصور، فقد تكون ذاتية –داخلية، أو خارجية-جغرافية، تدفع صاحبها حد هجران المكان أملًا بتغيير مشاعره تلك.

حتى ثقافتنا غريب فيها مفهوم الغربة

توارثنا من ثقافتنا أن «طوبى للغرباء»، وكنا في كل موقف نعجز فيه عن إيصال ما نصبو إلى الآخرين نبرر ذلك بأننا غرباء زماننا، لا يعي إخواننا ما نريد، ويأتي المشايخ -قدس الله سرهم- ليزيدوا هذه الحالة متمسكين بعبارات من قبيل «كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أو عَابِرُ سَبِيل»، لنطمئن أنفسنا في زمن الشظايا الفكرية، التي تغتالنا لتثبت أنها موجودة، ونصمد نحن ونكتب «أنا غريب إذًا أنا موجود».

وقد قيل عن الغريب بأنه الذي لا اسم له فيذكر، ولا رسم له فيشهر، ولا طي له فينشر، ولا عذر له فيعذر، ولا عيب له فيستر، من إذا عطس لم يُشمّت، وإذا مرض لم يفتقد.

النزوح.. التهجير القسري… السفر.. كلها غربة

لحظة غربتك الداخلية أو الخارجية على حد سواء، تستعيد كل أيامك السابقة، وتتذكر أرضك، شارع بيتك، حتى العنكبوت الذي ينسج بيته في زاوية غرفتك، يستعصي عليك التنفس، إذ كل الهواء يذهب لتلكم الأماكن، لتجد نفسك عكس التيار، فكل شيء جديد عليك، ببنائه العمراني والثقافي والفكري، يزجونك في بيئة أخرى، وثقافة أفضل تارة، وتارات ما أنزل الله بها من سلطان، فتداهمك الغربة بقيودها، وخاصة إن كان التغيير عكس ما تعودت عليه، وأقسى من أن يتحمله كل منظّري العالم، ودعاة المرونة والتكيف مع المجتمع، وتأتي أنت وتزيد ألمك، وتطرح تساؤلات حد العجز عن غربتك هذه.

وللغربة أنواع

بين غربة الإنسان عن ذاته، فتراه ينقاد إن طوعًا أو كراهية لتقاليد مجتمع جديد مقبل عليه، أملًا منه بعدم شعوره بالرفض والمقت، وغربته الثقافية المتجلّية بين خلطه لعرف المجتمع السائد، وللتعاليم الدينية، والجانب الفكري الذي يترنح محاولًا إيجاد مبررات مقنعة لخياراته، لتلامس الغربة المكانية الواقع، فيبتعد الإنسان بقلبه تارة، وبعقله تارة أخرى أو بكليهما، ويترنح الإنسان في بيئته، فتهوي به مشاعره حد اللاوجود، فتراه جسدًا صامتًا لا روح له حتى بين أقرب الناس، لا يجد ذاته بينهم، تكاد الغربة الاجتماعية أن تودي به، ويخرج مغتربًا عن حدود زمانه، فلا يدري نفسه أهو أسير الماضي أم رهن المستقبل؟!

النفي و «الاغتراب» خارج ذات الإنسان

فينسلخ الإنسان عن عالمه، وحتى عن أدق تفاصيل حياته اليومية، فيفتقد الإنسان قدرته على استشعار طعم الفرح والأمل، ويبقى تواقًا إلى مشاعر الرضا لا الحبور، فيبتعد حتى عن أولئك الذين كانوا يشغلون كل المساحات لمكانتهم، وإن بقي بينهم لا يجد نفسه، يراهن على ذاته التائهة علها تجتاز المتاهة، ولكن عبثًا يفعل، فغربة الذات هي الأشد ألمًا وجرحها لا يندمل ببساطة، حتى تدفع صاحبها للصمت، فكيف به يتكلم وهو ليس هو، وليس موجودًا في ذاته، ووجوده منفي من داخله، وحتى من خارجه في ذاك المجتمع الذي لا يعترف بقليل من الكثير الذي لديه، فيغدو حنينه كله لذاته، توّاًقا أن يلامس شغاف روحه فيستعيد ما كانت عليه.

أعراض جانبية

إن راودك شعور بأنك لسن أنت، وأن آخرًا حلّ مكانك، وأصبحت تراقب أفعاله «اللا واعية»، وافتقدت بعضًا من مهاراتك الذهنية، وكذلك سماتك الشخصية، ولم يعد يتملكك شعور الوجود في المكان، وتتبلّد مشاعرك، وتفقد رد الفعل المناسب للانطباعات التي تعتريك، فتتخبط في تقييم ذاتك، بين ما عندك من قدرات، وبين ما يحيط بك من تناقضات، فتصبح عاجزًا على التكيف مع الأنماط الثقافية مهما بدت مشابهة لمعارفك أو حتى مناقضة لها، وتختار العزلة والابتعاد حلًا، اعلم حينها أن لديك تبددًا في شخصيتك، عليك أن تبحث عن ذاتك، وتلملمها من غمرة شتاتها.

فـ «طوبى للغرباء»

قيل ومن الغرباء، قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، يمسكون الحق، ويعضّون عليه بالنواجذ، وهم الذين يُصلحون ما أفسده غيرهم، قلة بين كثرة لم يشفع لها عددها، فاغتربت عن قيمها، وذاقت الأمرّين.

حتى الشريف غريب في دنيا المنافقين، والصادق غريب في صحراء المكذبين، والمعطي غريب في متاهة الأنانية والطمع، لكن الأمل ليس بغريب ولو جدبت الأرض، وأقفرت الأحداث موصدة أبوابها، طالما أن هناك ذات تسعى ألا تخسرها، فأنت رابح، فماذا لو ربح الإنسان العالم وخسر نفسه؟!

تابعنا على تويتر


Top