أكراد سوريا وسوريا المستحيلة

محمد رشدي شربجي

مع نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطوريات العظمى في أوروبا (الروسية والعثمانية) صعدت فكرة «الدولة-الأمة» لتكون الوحدة الأساسية المعتمدة لبناء الدول الحديثة، وقد اعتبرت الرابطة الأساسية في تشكيل الأمة هي الرابطة القومية، خلافًا للإمبراطوريات التي اعتمدت الدين كرابطة مشتركة لتشكيل الأمة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الدول الحديثة، أو ما بعد الحديثة، أصبحت تميل أكثر إلى اعتماد المواطنة فقط بغض النظر عن الدين والعرق كرابطة لتشكيل الدول.

على أطراف الإمبراطوريات المنهارة ظهر ما يمكن تسميته «الأقاليم الهشة» وهي الأقاليم التي لم تسنح لدولها التشكل وفقًا لهذه القاعدة «الدولة-الأمة»، بل كانت خليطًا من عدة أقوام بدون تشكيل هوية وطنية جامعة.

تقع سوريا في قلب هذا الإقليم الهش، فهي تشكلت وفقًا لاتفاقات دولية بالدرجة الأولى، ولم يراعَ في تشكيلها فكرة «الدولة-الأمة»، ولم يؤخذ رأي سكانها أساسًا في تشكيلها لا من ناحية الحدود ولا من ناحية الهوية الحاكمة لها، وبالمحصلة أنتجت الاتفاقيات كيانًا هجينًا يتمزق ساكنوه بين هويات قومية ودينية متعددة.

وتظهر الوثائق الظاهرة في مرحلة التأسيس هذا الأمر بوضوح، ففي عام 1928 في 23 حزيران تقدمت مجموعة من زعماء العشائر والشخصيات والمثقفين الكرد والآشوريين بإنشاء كيان «كردي-آشوري» في شمال شرق سوريا، أسوة بالدويلات التي فرضتها فرنسا على سوريا حينها (دولة حلب، دولة دمشق، دولة لبنان، دولة الدروز، دولة العلويين).

حتى معركة الاستقلال ذاتها، خاضها السوريون تحت اسم العروبة وليس اسم سوريا ولا غيرها، وهو ما يظهر هذه الأزمة العميقة التي رافقت تشكيل دول الشرق الأوسط بشكل عام.

تركت الاتفاقيات الدولية الأكراد وحدهم بلا دولة، في حين أعطت للأتراك دولة، وللعرب دول، وقد شنت عليهم الدول التي تفرقوا عليها بشكل عام حملات إبادة ومحاولات «صهر» لوجودهم في الدول الجديدة هذه، وقد حاولوا على مدى مئة عام (خاصة في العراق وتركيا وإيران) إقامة دولة قومية لهم أسوة بغيرهم من الدول ولكن نتيجة لمصالح الدول الكبرى مع العرب والأتراك والإيرانيين باءت كل مصالحهم بالفشل.

انهيار نظام الدولة في دول المشرق العربي، (العراق بعد 2003، وسوريا بعد الثورة) أعطى فرصة للأكراد في كلتا الدولتين لتحقيق حلمهم التاريخي، ولعله من المفارقات أن يعرف الأكراد بالدولتين كأكراد في حين ينقسم العرب إلى مجموعة طوائف.

على خلاف العرب المنقسمين طائفيًا، يؤمن الأكراد بالنظام الدولي كما لا ترى «نظريًا» على الأقل رفضًا ولا «تكفيرًا» للديمقراطية، ويسعون لإنشاء دولة متماشية ومتعاونة مع النظام الدولي ووفقًا لمعاييره «دولة_أمة»، كما أنهم شكلوا قطيعة كاملة مع القوى الإسلامية لاسيما السلفية الجهادية.

وبغض النظر عن الخلاف مع الأكراد، والانتهاكات العديدة التي ارتكبها حزب الاتحاد الديمقراطي PYD  فإنهم في كل من سوريا والعراق استطاعوا تقديم نموذج إدارة يبقى «بالنسبة لغيرهم» أفضل بما لا يقاس من كل النماذج التي قدمها العرب في هاتين الدولتين.

في العراق استطاع الأكراد بناء إقليم مستقر يسبح في بحر من الاضطراب، لم يسعوا إلى الانتقام من أتباع صدام حسين، كما أنهم استطاعوا تحقيق نهضة اقتصادية في الإقليم في الوقت الذي يعاني فيه باقي العراق في بحور هائلة من الفساد.

وبالنسبة لسوريا فإذا قارناهم بأي نموذج عربي، سواء النظام أو تنظيم الدولة الإسلامية أو المعارضة السورية بشكل عام، فإن النموذج الكردي يعتبر متقدمًا بكل المقاييس.

بكل تأكيد فإن الادعاءات الكردية في سوريا ليست كلها صحيحة، ويشوب الحديث عن كردستان سوريا (روجا آفا) تسييسًا شديدًا وتلفيقًا هائلًا للحقائق، ولكن فقط لتوضيح الأسباب التي تجعل المجتمع الدولي يعتبر الأكراد شريكًا موثوقًا في حين يبقي شكوكًا هائلة تجاه العرب.

بعد مئة عام من تلك اللحظة، تظهر على السطح بشكل أكثر حدة أزمة التأسيس أكثر من أي وقت مضى، كرس الاستبداد هذه المشكلات وفاقمها طبعًا، ولكنه لم يوجدها.

تغيرات كبيرة حصلت في مئة عام، انتقل المزاج العام من العروبة الجامعة إلى الإسلام الجامع، إلى الطوائف الجامعة، دون أن يمر بسوريا الجامعة إلا بالخطابات الشكلية، وبالمحصلة فإن تسييس العروبة والإسلام قضى على كليهما.

تابعنا على تويتر


Top