التوحش السوري

محمد رشدي شربجي

منتصف العقد الماضي كتب المنظر الجهادي أبو بكر ناجي كتابه المعلمي في تاريخ القاعدة، وأسماه “إدارة التوحش”، ويقول كثيرون إنه من أبرز الإسهامات الفكرية لتنظيم القاعدة، وهو ما حدى بالاستخبارات الأمريكية أن تترجمة كاملًا لأهميته.

ووضّح الكتاب الاستراتيجية التي تتبعها القاعدة منذ منتصف التسعينيات، وما يزال معتمدًا عند القاعدة وخاصة عند ابنها العاق، تنظيم “الدولة الإسلامية».

يقسم أبو بكر ناجي مراحل العمل الجهادي إلى ثلاث مراحل هي: شوكة النكاية والإنهاك، إدارة التوحش، والتمكين وإقامة الدولة الإسلامية.

ويقصد ناجي بالتوحش المناطق التي تضربها النزاعات وتنهار فيها سلطة الحكومات المركزية، وتفقد الدولة السيطرة على أراضيها.

سيعاني السكان المحليون من هذا التوحش، ولذلك يجب على الحركات الجهادية أن تكون يقظة وحاضرة لإدارته وملء الفراغ الذي خلفه انحسار الدولة المركزية، وتأمين ملاذ آمن للجهاديين حول العالم حتى تصل الحركة إلى مرحلة التمكين وإقامة الدولة الإسلامية.

يحذر ناجي من خطورة هذه المرحلة وعواقبها الوخيمة في حال فشلت الحركات في إدارة التوحش، حيث ستزداد حينها المنطقة توحشًا وتزداد معاناة السكان المحليين.

تبدو الأحدات التي ضربت دول المشرق العربي بعد الربيع العربي مطابقة لما جاء في الكتاب، حيث تحللت الدول الاستبدادية في كل من سوريا والعراق وليبيا، وساد التوحش فيها وباتت مكانًا ملائمًا لهذه الحركات.

وحدهم السنة في سوريا والعراق قتلهم إرهاب الدولة، ثم قتلهم الإرهاب الذي ولده إرهاب الدولة، ثم قتلتهم الحرب على الإرهاب التي ولدها إرهاب الدولة، وفوق كل هذا فإنهم متهمون في وجودهم وثقافتهم من كل الأطراف بمختلف أنواع الاتهامات، وعليهم تقديم كثير من الأدلة لإثبات أنهم ليسوا مع تنظيم الدولة أو أمريكا أو بشار الأسد أو العبادي.

يطلب من العرب السنة وحدهم دون غيرهم تقديم الضمانات بعدم الانتقام من الأقليات، ويشترط تحقيقهم قائمة شروط لا تنتهي لحصولهم على الدعم الدولي لإنقاذهم من الإبادة.

وبعيدًا عن القاعدة وسياق تشكل أفكارها، فإننا -نحن السوريين- أصابنا التوحش أيضًا، فيتعرض أي عمل ثوري -كبر أم صغر- إلی هجوم الثوار أنفسهم قبل غيرهم؛ أيّ مبادرة سياسية، أو مدنية، أي مقالٍ أو محاولة بأي اتجاه فإنها تتعرض لهجوم ضارٍ غريب.

وليس الهجوم على أي عمل من أي كان هو من قبيل النقد البناء ولا غير البناء، وإنما الهدف منه إخفاء هذا العمل ومسحه من سطح الأرض وكأنه ليس هنالك من مشكلة للسوريين إلاه.

من المفهوم، وليس المبرر بالتأكيد، أن يتجه السنة أكثر فأكثر نحو التوحش، بشكل أدق، فإنه من السهل إيجاد عشرات الأسباب التي تدفع بهذا الاتجاه، في حين يستلزم المرء «اختراع» أسباب وحججٍ لكي تدفع السوريين نحو التعقل.

من المفهوم إذن توجه السنة نحو التوحش، لكن ما هو غير مفهوم، ولا مبرر بطبيعة الحال، أن يكون التوحش أكثر ضراوة على الذات مما هو عليه على الخصوم، فالحركات السنيّة تسعى جاهدة لقهر جماهيرها المفترضة قبل التوجه إلى العدو القريب والبعيد على السواء.

يحتاج المرء إلى جهود كبيرة ورباطة جأش أكبر حتى لا ينخرط في ثقافة التوحش السائدة الآن، ولكنه قد يحتاج إلى شيء أقل ربما ليخرج من “التوحش على الذات» هذا.

إعمال العقل، وإن كان كل ما يحيط بنا يدفعنا إلى عكس ذلك تمامًا، وإدراك مقاصدنا، هو بداية الطريق لتلمس أعدائنا من أصدقائنا، ومعرفة ما يضرنا وما ينفعنا.

لقد كان الشهيد علي شريعتي محقًا وهو ينظر للثورة في بلاده حين قال “كن حاضر الذهن في الموقف، فإنك إن لم تكن حاضر الذهن فكن أينما شئت، قائمًا للصلاة، أو جالسًا على طاولة الخمرة، فالأمر سيان”.

تابعنا على تويتر


Top