السوريون الذين لم يموتوا بعد

_بحرًا.jpg

ماهر الحاج أحمد- عنب بلدي

تعددت مآسي السوريين وتنوعت أشكالها بين قصف واعتقال ونزوح، ليكون الغرق في البحر المتوسط إضافة وضعت بصمتها إعلاميًا دون حلول جدية للحد من هذه الظاهرة. الآلاف لاذوا بالفرار من جحيم الحرب المستمرة منذ أعوام، ليلقوا حتفهم في عرض البحر، بقوارب لا تصلح للإبحار، خصصت من قبل ما أطلق عليهم «سماسرة الموت» لتكون المنزل الأخير لهم.

تعددت مآسي السوريين وتنوعت أشكالها بين قصف واعتقال ونزوح، ليكون الغرق في البحر المتوسط إضافة وضعت بصمتها إعلاميًا دون حلول جدية للحد من هذه الظاهرة. الآلاف لاذوا بالفرار من جحيم الحرب المستمرة منذ أعوام، ليلقوا حتفهم في عرض البحر، بقوارب لا تصلح للإبحار، خصصت من قبل من أطلق عليهم «سماسرة الموت» لتكون المنزل الأخير لهم.

لم تعد الأخبار العاجلة عن غرق المراكب والسفن في البحر المتوسط وجبة دسمة في وسائل الإعلام الغربية والمحلية حتى، بل أصبحت اعتيادية وروتينية تشابه بواقعها القصف والمجازر اليومية في سوريا، تراها على الشريط الإخباري: «غرق قارب يقل مئة مهاجر غير شرعي معظمهم سوريون قبالة السواحل الإيطالية» على سبيل المثال، دون علاج أو حلول تضع حدًا للموت المستمر هناك.

محمد، ابن الـ 25 عامًا، كان أحد الناجين من الغرق أثناء محاولته العام الماضي اللجوء بطريقة غير شرعية إلى أوروبا، تحدث إلى عنب بلدي عن تجربته التي حفرت في ذاكرته كما يقول.

«مللت الانتظار وسئمت الحياة وأنا أرى أصدقائي وأقربائي يموتون كل يوم واحدًا تلو الآخر، وبت أرى المصير ذاته ينتظرني، خصوصًا بعد أن طال وضع الأزمة، دون أي بوادر للفرج تلوح في الأفق».

حسم محمد ابن مدينة كفرنبل في ريف إدلب أمره، وقرر الهجرة بطريقة غير شرعية إلى ألمانيا سالكًا طريق البحر، مع إدراكه حجم المخاطر، لكن «احتمال الموت إن بقيت في البلد كان أكبر من احتمال الموت في البحر».

انتقل محمد إلى تركيا بطريقة غير شرعية مع مجموعة من أصدقائه، في أيلول العام الفائت، واتفق مع أحد المهربين الذين يعملون على نقل المهاجرين عبر البحر، طالبًا من كل شخص مبلغ 6 آلاف يورو، «بالتأكيد قبلنا ما طلبه لأننا نوينا السفر بأي طريقة وأي تكلفة، ونحن نرسم أحلامًا ونخطط لحياة جديدة.. نسلك بحر الموت بحثًا عن حياة بعيدة عن رائحة الدم».

بعد انقضاء أسبوع، توجه محمد وأصدقاؤه إلى المكان المتفق عليه، ليتفاجؤوا جميعًا بمركب مهترئ كان مخصصًا لنقل المواشي، قبل إيقافه بسبب التلف الذي أصابه. لكن «المُهرِّب أطلق التطمينات والمباركات بهذه السفينة اللعينة التي طالما نقلت آلاف المهاجرين».

في الثالث والعشرين من أيلول العام الفائت، وفي تمام الساعة الرابعة والنصف فجرًا تحرك المركب حاملًا شبانًا ونساءً وأطفالًا يتطلعون جميعهم إلى معيشة آمنة ومستقبل مزهر.

بعد ساعات على الإبحار، بدأت أصوات غريبة تخرج من المركب وسط رياح قوية زادت الطين بلة، وكان المسؤولون عنها يطمئنون المهاجرين بأنه عطل بسيط وسيتم إصلاحه، تابع محمد «تفاجأنا بفرار المسؤولين وركوبهم قاربًا صغيرًا أعدوه مسبقًا للهرب بعد استحواذهم على أموال طائلة منا.. توقفت السفينة وسط البحر في ظلام أشبه بعتمة القبر، وبدأ صراخ النساء وبكاء الأطفال».

بقي المركب في عرض البحر قرابة 10 ساعات حتى ظهيرة اليوم التالي، مع قدوم خفر السواحل التركي، وإجلاء المهاجرين على متن قوارب خاصة عادت بهم إلى تركيا، «تم تسليمنا إلى أحد الأفرع الأمنية التي اتخذت إجراءاتها، ومن ثم تسفير كل شخص إلى الجهة التي قدم منها».

قصصٌ كثيرة شابهت حكاية محمد الناجي من الموت، فكل يوم يهم عدد كبير من السوريين للهجرة بذات الأسلوب، ينجح عدد منهم بالوصول إلى أوروبا ليبدأ حياة جديدة، بينما معظم المهاجرين يكون مصيرهم إما الغرق أو الاحتجاز والعودة من حيث أتوا.

يشار إلى أن حوالي 100 ألف مهاجر غير شرعي وصلوا أوروبا عن طريق المتوسط منذ مطلع عام 2015، بحسب منظمة الهجرة الدولية، تم إنقاذ آلاف منهم من الموت المحتم غرقًا، في حين لقي 1500 مهاجر حتفهم في العام 2014، بحسب إحصائية أعدتها المنظمة ذاتها.

تابعنا على تويتر


Top