تغريبة سوريّة

مؤيد اسكيف

نحن السوريون ..

آمنّا يومًا ما بوحدة بلاد الشام، وبحبل سري مملوء بالحكايا يمتد من دمشق حتى القدس، كما آمنّا بباخرة الروزنة.. حولنا ما تحمله إلى موسيقى، ثم شقينا لها طريقًا من بيروت إلى حلب مرورًا بحماة، آمنّا «بالبرغل والمجدرة» من جنوب الجوع في غزة إلى جنوب الوجع في تل تمر*.. فقُسِمْنا..

آمنّا بالتاريخ.. فاعتقدنا في العربي القادم من الجنوب.. نصيرًا لنا.. لكنه باعنا في شرقيّ الأردن..، واعتقدنا في تموز قدرة على التجدد فتم نصب المشنقة على عجل.. نجمة قبرص غادرتنا.. فاختنقنا..

حلمنا بالاستقلال، فاختلفنا من فوق منابر الشعب* على هوية «مصياف»، هل هي طرطوسية أم حموية؟ فسُلِخَ لواء اسكندرون..، تم احتلالنا..

آمنّا بالحق الفلسطيني.. فحسدنا مخيم «الشجاعية»..

بالوحدة العربية.. فصارت تأشيرات الدخول «مَكرُمة»..، تُهنا..

بالتضامن العربي.. عمانا الحنين.. نُحِرنا..

آمنّا بأنه لا حياة في هذا القطر إلا للتقدم والاشتراكية.. فاشتهينا السمنة.. استوردناها من الصحراء.. وعندما أردنا أن نأكل.. قُتلنا على أفران الخبز.. جعنا..

آمنّا بالجولان.. صار سرابًا.. عطشنا..

بردى.. تبولنا فيه..

بالشعب الواحد في بلدين.. غُدرنا..

نمنا على الجرح جنوب الملح نحن والكردي.. تقيّحنا..

آمنّا بمرآتنا الواحدة.. فتكسرت وخرج القبح من مرايانا..

آمنّا بالإصلاحات..  فاحتجنا لقطع غيار للسيد الرئيس.. و «عَمْرة» لماكينات حزب البعث ..

نحن السوريون.. استيقظنا ذات يوم .. ثُرنا.. لقد كان حلمنا بسيطًا.. وردة وحرية وغياث مطر.. ولكنا.. اعتُقلنا.. عُذبنا وقُتلنا.. ذُبِحنا..

صفقنا لنجوم الخنادق والبنادق والفنادق وأمراء الحرب.. فاعترض هيثم المالح لأنه لم يجلس على المنصة في مؤتمر توحيد المعارضة.. كنا رخيصين.. تم بيعنا..

آمنّا بالعرب والمسلمين.. صرنا كومبارس رخيص في فيلم الرسالة.. اعتقدنا أن «عبد الله غيث» يُشبهنا.. فشهيدنا اسمه «حمزة»..، لكنهم جعلوا منا «هند بنت عتبة».. أطعمونا الأكباد.. كُفِّرنا..

آمنّا بعلي وعمر.. لاحقتنا صفين..

آمنّا بحقوق الإنسان، التحفنا مبادئ جنيف في مخيم أطمة.. ولكن هجم البرد علينا..

تأملنا خيرًا بالمجتمع الدولي و «الأخضر الإبراهيمي» و «ديمستورا» فصرنا ملفًا يرسل عبر «الدي إتش إل» والإيميلات.. ثم «بديليت» صغير.. حُذفنا.. صرنا وجبة دسمة على موائد المتفاوضين.. أُكِلنا..

بلطنا البحر.. فانتصب السؤال المفجوع على الموج كشاهدة قبر.. غرقنا..

اعتقدنا من باب الاحتياط بأن الدراما السورية سوف تنصف وجعنا.. فكانت «لينا كرم» من نصيبنا..

آمنّا بالكلام.. فمنعنا من الصرف..

بالشعر.. فظهر الفراهيدي وحيدرة وأبو قتادة.. في مناماتنا..

نحن السوريون المقتولون أعلاه نؤكد ونحن بكامل قوانا العقلية بأننا مازلنا متمسكين بسوريتنا.. ويالله مالنا غيرك يالله..

هوامش:
تل تمر ضيعة سورية تتبع لمدينة الحسكة.
في الثلاثينات من القرن الماضي وبينما كان سلخ اللواء من قبل تركيا وفرنسا جار على قدم وساق كان في البرلمان السوري أزمة سياسية عاصفة نتيجة الخلاف على ضم مدينة «مصياف» لتتبع إداريًا لمحافظة حماة.

تابعنا على تويتر


Top