تمكين الجبهة الجنوبية.. أمل سوريا الأخير

63.jpg

كتبت لينا الخطيب في الناشيونال إنتريست

يضعف النظام السوري عسكريًا في الوقت الذي تبرز فيه الدولة الإسلامية، وتحالف المعارضة والكتائب الإسلامية ضمن جيش الفتح الذي ترعاه كل من المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر، بالإضافة إلى تحقيق تحالف المعارضة المعتدلة في الجنوب والمعروف باسم “الجبهة الجنوبية” لمكاسب على الأرض.

الضغط الذي يعاني منه النظام يعني أنه لم يعد قادرًا على محاربة تلك الجماعات بشكل مباشر، إذ اختار الابتعاد عن طريق “الدولة الإسلامية” في مناطقها بدلًا من محاربتها.

وتهدف الاستراتيجية الجديدة للنظام إلى السماح لـ “الدولة الإسلامية”، بالتقدم على حساب المعارضة المعتدلة وكذلك الكتائب الإسلامية الأخرى.

حسابات الرئيس السوري بشار الأسد، تتمثل بفكرة الإبقاء على قوتين فاعلتين على الأرض، وهما نظامه و”الدولة الإسلامية”، عندها يمكن أن يقول إن الخيارات في سوريا هي إما الأسد أو تنظيم “الدولة”، ويناشد المجتمع الدولي على هذا الأساس.

ولكن هناك وسيلة ثالثة لمستقبل سوريا، ما يمكن أن يحدث هو تمكين عمل “الجبهة الجنوبية”، تحالف المعارضة المعتدلة في سوريا.

الجبهة الجنوبية هي تحالف يضم ألوية من الجيش السوري الحر ينبذ التطرف ويقبل المعتدلين فقط في صفوفه، وحقق التحالف مكاسب كبيرة في محافظة درعا جنوب سوريا بسبب قدرته العسكرية التي تمده بها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وكذلك المملكة العربية السعودية والأردن، وبسبب الوعي الاجتماعي من خلال عمله بشكل وثيق مع المجالس المحلية المدنية في المنطقة.

ثقة المدنيين بالجبهة وإنجازاتها على الأرض هو ما زاد من شرعية الجبهة بين السوريين في درعا.

وتعتبر الجبهة الجنوبية أمرًا حاسمًا في سياق الصراع السوري ليس فقط لشرعيتها ولأنها ترفض التطرف، وإنما لأن المنطقة التي تسيطر على معظمها وهي درعا تقع على مسافة 100 كيلومترٍ فقط من العاصمة دمشق.

وأيًا كان من يتولى دمشق يمكنه تحديد المسار المستقبلي للحرب، على الرغم من أن السيطرة على العاصمة ليس عملًا بطوليًا؛ فالنظام وجيش الفتح والجبهة الجنوبية كلهم يوجهون أنظارهم نحو دمشق.

الجنوب مهم استراتيجيًا

حاول النظام وقف تقدم الجبهة الجنوبية في المنطقة نظرًا للأهمية الاستراتيجية للجنوب السوري، بداية من خلال قتالها بشكل مباشر ونشر ميليشيات قوات الدفاع الوطني وقوات حزب الله.

ومع انخفاض القدرة البشرية في الجيش السوري إلى النصف، وتكبد حزب الله خسائر كبيرة بمقتل الآلاف من عناصره في معارك سوريا والعراق، لجأ النظام إلى تسهيل وصول “الدولة الإسلامية” إلى الجنوب وبالتالي مواجهتها للجبهة الجنوبية في المنطقة.

في خريف عام 2014، كان هناك وجود كبير لـ “الدولة الإسلامية” في الجنوب، وكانت معارك الجبهة الجنوبية بشكل رئيسي، ضد النظام وقوات الدفاع الوطني وحزب الله، وكذلك جبهة النصرة، أما اليوم نرى معظم المعارك هناك ضد تنظيم “الدولة”، مع استمرار قتال الجبهة الجنوبية ضد النظام أيضًا، إذ سيطرت على اللواء 52 قاعدة الجيش السوري في المنطقة.

هذه الخسائر وغيرها دفعت النظام إلى تغيير استراتيجيته على الأرض، فحتى وقت قريب كان النظام يسيطر بتواجده داخل المدن في جميع المحافظات السورية، ولو كانت أريافها تخضع لسيطرة المعارضة، ولكن يبدو الآن أن الأسد يتخلى عن المدن ويحول تركيزه إلى أماكن وجوده الأساسية وعلى رأسها الساحل السوري إلى الغرب من دمشق.

كل ذلك يتيح للدولة الإسلامية توسيع رقعتها الجغرافية وتعزيز وجودها في سوريا داخل المناطق التي ينسحب منها النظام، وبالتالي يكون هناك تهديد أكبر على الجبهة الجنوبية.

جيش الفتح يمثل تحديًا للجبهة الجنوبية

ويمثل جيش الفتح أيضًا تحديًا للجبهة، فقد كان الدافع السعودي من وراء إنشائه هو عدم تمكين الجماعات الإسلامية، لأنها الجهات الفاعلة على الأرض كما ترى المملكة العربية السعودية (وهم ليسوا كذلك)، ولكن لنكن واقعيين: السعودية فقدت الصبر فيما يخص سعي الولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء الأزمة في سوريا، وتشعر بالقلق إزاء تبني المجتمع الدولي لإيران بعد ولادة الاتفاق النووي، وإزاء تأثيرها الذي بدأ يتضاءل في الشرق الأوسط.

كل تلك المخاوف حفزت المملكة لأن تسعى إلى فرض مزيد من الضغوط على النظام السوري باستخدام الأدوات المتاحة على الأرض، بحيث يمكن لها أن تحدد مسار المرحلة الانتقالية في سوريا وتعزز نفوذها الإقليمي.

ولذلك يجب دعم الجبهة الجنوبية باعتبارها الممثل الوحيد الذي يمكن أن يكون مجديًا ضد النظام في الجنوب، ولكن الرياض وحلفائها خلقوا فرعًا من جيش الفتح في المنطقة كوسيلة للعمل مع الجماعات الإسلامية هناك، بينما يدعمون جيش الفتح في الشمال أيضًا لأنهم يعتبرون أن فصائله هي الجهات الفاعلة الوحيدة “الناجعة”.

وبسبب عضوية جبهة النصرة فرع تنظيم القاعدة في سوريا ضمن جيش الفتح، تحاول قطر إعادة تأهيله لإبعاده عن الانتماء لتنظيم القاعدة، وسيكون إعادة تأهيل النصرة وسيلة لضمان النفوذ القطري في سوريا خلال مرحلة ما بعد الأسد.

كل ذلك يشكل تهديدًا للجبهة الجنوبية على اعتبار أن جبهة النصرة لديها طموحات سياسية كبيرة وحريصة على لعب دور في المرحلة الانتقالية داخل سوريا.

ورغم كونها رسميًا جزء من تنظيم القاعدة إلا أنها تعمل على أرض الواقع، فعلى سبيل المثال هي لا تفرض أيديولوجيتها على السوريين في المناطق التي تسيطر عليها لأنها تعتقد بأن ذلك من شأنه أن يضعف من شعبيتها.

خطاب زعيم النصرة، أبو محمد الجولاني على قناة الجزيرة في حزيران الماضي، حرص على طمأنة الغرب بأن طموحات النصرة ترتبط بشكل محض في سوريا وليس بهم.

إذا استمر جيش الفتح في التنامي دون أن تكون الجبهة الجنوبية قادرة على التفوق على هذا النمو، من المحتمل أن يصبح الأول الممثل العسكري الأكثر تأثيرًا على الأرض في سوريا، ما يمهد الطريق لأعضائه للعب دور سياسي في وقت لاحق بشأن المرحلة الانتقالية.

ورغم أن الجماعات الإسلامية التي تنبذ التطرف يجب أن تكون ممثلة ضمن الحكومة الانتقالية السورية في مرحلة ما بعد الأسد، لأن لديهم وجودً كبيرً في سوريا، إلا أن ذلك من شأنه أن يجعلهم يقودون هذه الحكومة ويؤدي إلى تهميش المعتدلين.

وقد بدأت الجبهة الجنوبية فعليًا إعداد نفسها للعب دور سياسي من خلال إنشاء جناح سياسي، وتعيين مجلس قيادة لوضع مبادئ توجيهية أخلاقية لأعضائها، وزيادة مشاركتها مع المجتمع المدني والمجالس المحلية.

إذا تم تمكين الجبهة الجنوبية، فمن الممكن في ذلك الحين أن تحتوي على أعضاء من جبهة النصرة والجماعات الإسلامية الأخرى.

هذا الاحتواء لن يكون بسبب كون الجماعات كلها ذات أيديولوجية واحدة، وإنما جراء الخوف والحاجة الاقتصادية، والرغبة في ضم مجموعات تستطيع تحقيق نتائج ملموسة ضد النظام، والرغبة في الاستقرار.

إذا لعب جيش الفتح دورًا قياديًا سيتبعون مساره، وإن كان هناك بديل ليأخذ دوره في أن تُقاد الحكومة بالجناح السياسي سيكون الجبهة الجنوبية، التي من المرجح أن ينفصل أعضاؤها عن الجماعات الإسلامية.

وإذا استطاعت الجبهة الجنوبية التغلب على المزايا المالية التي تقدمها الجماعات الإسلامية لأعضائها، من المرجح أن ينقل هؤلاء الأعضاء ولاءهم إليها.

الحياة في ظل الحكم غير المتطرف

وينبغي على الحكومة السورية الانتقالية أن يكون لديها تمثيل واسع من مختلف ألوان الطيف السياسي السوري، بما في ذلك المعارضة السورية الخارجية وكذلك أعضاء من النظام الحالي الذين يقبلون الحل الوسط، وهذا من شأنه تمكينها من توحيد الجيش السوري والسعي للحصول على دعم المجتمع الدولي لمحاربة “الدولة الإسلامية”.

ولكي يصبح هذا السيناريو ممكنًا تحتاج الجبهة الجنوبية اليوم ليس فقط دعمًا عسكريًا وماليًا من رُعاتها، ولكن يجب عليها تعزيز قدرتها على الحكم وزيادة تأمين المنتجات المحلية من خلال إنشاء “منطقة تنمية”، وفقًا للنموذج التي وضعته المملكة المتحدة في أفغانستان، والتي أدت إلى تسليط الضوء على فوائد الحياة في ظل الحكم غير المتطرف.

وهذه هي الاجابة عن سؤال، لماذا لا يعتبر “التدريب والتجهيز” الحالي الذي تدعمه الولايات المتحدة وبريطانيا كافيًا.

ما تحتاجه الجبهة الجنوبية بالإضافة إلى زيادة الدعم الفني والمالي والعسكري هو تمكين حكمها وقدرتها السياسية، وبدون ذلك سوف تكون سوريا معرضة لخطر فقدان آخر أمل لها في قيادة انتقالية معتدلة.

لينا الخطيب هي مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، وكانت سابقًا مؤسس مشارك لبرنامج الإصلاح العربي والديمقراطية في مركز جامعة ستانفورد للديمقراطية والتنمية وسيادة القانون.
تشمل اهتماماتها البحثية العلاقات الدولية لمنطقة الشرق الأوسط والجماعات الإسلامية، والتحولات السياسية والسياسة الخارجية، ونشرت أيضًا على نطاق واسع دراسات تخص الدبلوماسية العامة والاتصالات السياسية والمشاركة السياسية في الشرق الأوسط.

نُشر في 6 تموز وترجمته عنب بلدي، لقراءة المقال باللغة الإنكليزية من المصدر اضغط هنا.

تابعنا على تويتر


Top