“الدولة الإسلامية” ضعيفة، لكن ماذا عن استراتيجية أمريكا في سوريا؟

11720333_839773559411814_1556954340_o.jpg

كتبته ليز سلاي للواشنطن بوست

تسبب التمدد غير المتوقع لتنظيم الدولة الإسلامية شمال شرق سوريا بنمو مواطن ضعف في هيكلية التنظيم، وفي الوقت ذاته يكشف محدودية استراتيجية الولايات المتحدة لمواجهته.

وخسر مقاتلو الدولة ثلث معقلهم، الرقة، خلال الأسابيع الأخيرة على يد قوات بقيادة الكرد، الذين برزوا كأكثر شريك فاعل على الأرض للولايات المتحدة في الحرب.

الهجوم المدعوم بضربات جوية أمريكية حرم المقاتلين من السيطرة على أهم المعابر الحدودية مع تركيا بالنسبة لهم، وأجبرهم على اتخاذ موقف دفاعي في الرقة، عاصمة خلافتهم المعلنة ذاتيًا، الأمر الذي لم يكن ليخطر على بال أحد قبل شهر واحد فقط.

ونقل هذا التقدم ثقل المعركة من العراق إلى سوريا لأول مرة منذ شهور، فـ 18 غارة جوية مفاجئة على الرقة خلال نهاية الأسبوع الماضي، قضت على الجسور والطرق التي تستخدمها “الدولة” لنقل إمدادات الجبهات. وبحسب البنتاغون وناشطي الرقة فهذا الهجوم كان الأعنف في سوريا.

وبعد أن أطلعه البنتاغون على مجريات الحرب يوم الاثنين في واشنطن، ذكر أوباما المكاسب الأخيرة في سوريا كدليل على التقدم، قائلًا “عندما يكون لدينا شريك فعال على الأرض، فبإمكاننا دحر داعش”. وأضاف “حالة الضعف الاستراتيجي لداعش باتت حقيقية”.

ويرى محللون أن الافتقار إلى قوة محلية يعتمد عليها لنقل المعركة إلى عمق معقل الدولة الإسلامية كشف عن ضعف استراتيجية الولايات المتحدة، وأن التوتر المتصاعد بين العرب والقوات الكردية، التي تزعم أنها حررتهم، يضع هذه المكاسب موضع الخطر. فالهجوم على التنظيم أخذ بالقوات الكردية أبعد من مناطقها المعتادة، وإلى مناطق العرب السوريون هم فيها الأغلبية، ما يفتح الباب أمام ادعاءات من السوريين والحكومة التركية بأن الكرد يستغلون غارات التحالف بقيادة الولايات المتحدة لرسم حدود دولة كردية.

كذلك اتهمت المعارضة السورية الكرد أيضًا بطرد العرب من قراهم بغية توطيد سيطرتهم. ويقول أحمد حاج صالح، ناشط معروف من الرقة، أن “هدفهم تغيير التركيبة السكانية في المنطقة وتأسيس دولة كردستان، والحقيقة أن هذا يحدث تحت غطاء جوي امريكي”.

“أنا علماني ومرتد، لكني سأحمل السلاح وانضم إلى داعش إذا لزم الأمر”، وأضاف صالح، “لن أسمح بتغيير ديموغرافية المنطقة”.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حذر أن بلاده لن تسمح للكرد أن يأسسوا دولة على حدودها مع سوريا بأي شكل من الأشكال.

ونفى متحدث باسم قوات حماية الشعب الكردية، القوات الكردية التي تقود القتال، نية الكرد تأسيس دولة. وقال ريدور خليل، المتحدث، أن المناطق المسيطر عليها “هي جزء من سوريا وستبقى جزءًا منها ما لم يصدر قرارٌ عن القوى الدولية بغير ذلك”. وأضاف أن العرب الذين هربوا من بيوتهم مرحب بعودتهم ما لم يثبت تعاونهم مع “الدولة الإسلامية”.

ويبرز هذا التوتر أحد أوجه القصور التي طال انتقادها لاستراتيجية الولايات المتحدة لإضعاف الدولة الإسلامية والقضاء عليها، غياب بدائل للدولة الإسلامية مستساغة لمن يعيش في معاقلها، أي مناطق العرب السنة على امتداد حدود سوريا والعراق.

واعتبر شادي حميد من معهد بروكنغز لسياسة الشرق الأوسط في واشنطن، أنه “ببساطة، لا بديل سني بعد”، وقال “هنا يصبح التركيز على مكاسب سريعة معضلة، فالولايات المتحدة لا تفكر فيما سيحدث بعد إخراج داعش من المنطقة”.

نصر غير متوقع

المعركة في شمال سوريا مؤخرًا انجلت عن نصر فاق توقعات الجميع بسرعته.

وقال مسؤولون كرد وأمريكيون إنه أقل من المتوقع أن يستغرق الهجوم أسابيعًا لاستعادة بلدة تل أبيض الحدودية الهامة، والمنفذ الرئيسي عبر تركيا للمقاتلين والإمداد بالنسبة للدولة الإسلامية.

وللمفاجأة، لم تقاوم الدولة الإسلامية، وتقهقرت دفاعاتها الشهر الماضي خلال يومين، وأبعِدت فلول مقاتليها الفارين بسرعة نحو الجنوب خارج عشرات البلدات والقرى، ما وضع القوى المتقدمة على بعد 35 ميلًا عن الرقة.

وتحدث السكان عن مؤشرات ذعر في صفوف الدولة الإسلامية، إذ حفرت الخنادق ودعت عبر المساجد إلى التطوع، واعتقلت معارضيها المشتبه بهم، وأوعزت إلى الآلاف من الكرد في المدينة بمغادرتها.

وقال رجل أعمال في الرقة مشترطًا عدم الكشف عن هويته خوفًا على سلامته، “يبدو أنهم في حالة صدمة”.

ويرى محللون أن الغارات الجوية قد تكون ذات نتائج عكسية على المدى البعيد بحال نُظِر إليها على أنها تدعم أطرافًا أجنبية وتعادي السكان المحليين. وإن برز الـ YPG حليفًا فاعلًا للولايات المتحدة في الحرب، لكن كونه الحليف الوحيد في سوريا سيجعل من الصعب استثمار ضعف تنظيم الدولة.

برنامج البنتاغون بتكلفة 500 مليون دولار لتدريب وتجهيز المعارضة المعتدلة في سوريا لمواجهة تنظيم الدولة بالكاد انطلق بعد سنة من إعلانه، وأقل من 200 مقاتل انخرطوا في التدريب، ويقول مسؤولون أمريكيون أنهم يواجهون صعوبة في إيجاد سوريين مستعدين لإعطاء الأولوية للقتال ضد الدولة الإسلامية على حساب المعركة للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد.

ورغم أن وحدات من الجيش السوري الحر يقاتلون إلى جانب الكرد، فهؤلاء يمثلون أقلية صغيرة بالنسبة إلى مجمل القوة، المنضوية في تشكيل بركان الفرات.

وقال أبو شجاع، وهو اسم وهمي للمتحدث باسم ثوار الرقة أكبر ألوية الثوار، أن وحدات الجيش الحر تريد الاستمرار بالضغط للقتال في الرقة.

إلا أن ثوار الرقة لا يتواصلون مع العسكريين الأمريكيين، على عكس الكرد الذين ينسقون ضربات جوية من خلال مركز عمليات للولايات المتحدة في منطقة مجاورة للكرد في العراق، لذا ما من طريقة للاستعانة بالضربات الجوية التي أثبتت جدواها في الانتصارات الأخيرة.

وأضاف المتحدث أن اهتمام المقاتلين الأكراد بالتقدم إلى الغرب، نحو بلدة جرابلس الحدودية الخاضعة لسيطرة الدولة، بغية توسيع جيوبهم يفوق اهتمامهم بالتقدم نحو الرقة، مضيفًا “يبدو أن التحالف لا يثق بالعرب، إنه يقصف داعش لمساعدة الكرد وحسب”.

وأقر أوباما بأنه يجب فعل المزيد لتدريب وتجهيز القوات المحلية وأن إلحاق الهزيمة بالتنظيم في نهاية المطاف سيكون “مسؤولية القوات على الأرض”. وأضاف أن الدولة الإسلامية “تملأ فراغًا، وعلينا التأكد من ملأه بالتزامن مع طردهم”.

وقال مسؤولون أمريكيون أنهم يبحثون سبلًا للعمل مع مجموعات الثوار للتوغل في القتال نحو المناطق السورية العربية بما فيها الرقة؛ وبحسب مسؤول إداري رفيع المستوى اشترط عدم الإفصاح عن هويته، “الحل سيكون من خلال المجموعات العربية، ونحن على جاهزية عالية للعمل معهم ودعمهم ما أمكننا ذلك”.

وستتيح شراكات كهذه بديلًا للولايات المتحدة عن تدريب وتجهيز قوة سورية منفصلة، لكن إيجاد هذه المجموعات “تحد بحد ذاته” بحسب وصف الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان الأميركية خلال جلسة استماع للكونغرس الشهر الماضي.

الخطر في المكاسب الكردية

تلامُ استراتيجية الحكومة القائمة على “العراق أولًا” على الافتقار إلى شركاء في سوريا، إذ أعطت الأولوية للقتال في العراق على حساب القتال في سوريا، بحسب حسان حسان، محلل في تشاتام هاوس ومساهم في تأليف كتاب “داعش.. داخل جيش الإرهاب”، والذي يعتقد منذ وقت بعيد أن سوريا قد تكون أرضًا أفضل للمعركة من العراق، حيث للدولة الإسلامية تاريخ طويل، وحيث تقدم للسنة بديلًا عن حكومة الشيعة في بغداد.

ويقول، “إن داعش أقل توغلًا في سوريا منها في العراق، إنها حديثة العهد في سوريا وتنظيم غريب عنها؛ وهي أقرب لكونها تنظيمًا عراقيًا من كونها تنظيمًا سوريًا”.

وأضاف، “هناك احتمالية أكبر في سوريا لأن هناك قوات أكثر على الأرض، لكن لم تقدم لهم المساعدة الكافية”، ساردًا مجموعات الثوار العديدة التي تقاتل الدولة الإسلامية منذ أكثر من عام.

إلا أن ذلك قابل للتغيير، فكما تسبب اعتماد العراق على القوات الكردية والشيعية بانعزال السنة، فالمكاسب الكردية في سوريا تبرز خطر جلب الدعم للدولة الإسلامية، بحسب حميد، من معهد بروكنغز.

“هذا ما تسعى إليه داعش تمامًا، يريدون أن ينظر إليهم على أنهم خط الدفاع الأخير عن السنة في العراق وسوريا”، ويضيف حميد “مدى إسهامنا في تعزيز هذه الرواية معضلة فعلًا”.

انتشرت هذه الرواية بالفعل بين آلاف السوريين السنة الذين فرّوا من المعارك الأخيرة وعبروا الحدود باتجاه اقجة قلعة التركية، وكثيرون منهم يقولون أنهم لن يعودوا طالما أن بيوتهم تحت سلطة الـ YPG، الذي تختلف أفكاره اليسارية مع الميول المحافظة السائدة في المنطقة.

ويقول شاب يبلغ من العمر 22 عامًا، طلب أن يشار إليه بأبو محمد فقط خوفًا على سلامته، “ليس في قلوبهم رحمة”.

وكان “أبو محمد” قد هرب قبل تقدم القوات الكردية المفاجئ، لكنه سينضم إلى الدولة الإسلامية بحال استمرت المعارك أكثر من ذلك.

“لتدافع عن دينك وأرضك وشرفك عليك الانضمام لصفوف الدولة الإسلامية”، وأضاف، “بحال لم تفعل، ستستولي الـ YPG على أرضك”.

نشر في 6 تموز 2015 وترجمته عنب بلدي؛ لقراءة المقال بالانكليزية اضغط هنا.

تابعنا على تويتر


Top