«إن خليت خربت»

 الخير لا يمكن أن يموت، لكن الناس يضطرون لإخفائه

_فيهم_.jpg

حنين النقري – عنب بلدي

درس عددٌ من الفلاسفة والمفكرين علاقة الإنسان بالخير، ورأى كثيرون منهم أن الخير ليس متأصّلا في النفس الإنسانية ما لم تدفع إليه دفعًا على عكس الشر؛ الذي لا يموت فينا مهما حاولنا، ومن بين روّاد هذا المذهب جبران خليل جبران إذ يقول: الخير موجود في الناس إن جُبروا.. والشر لا يفنى فيهم وإن قبروا.

ولعلّ الحرب ترسخ هذه النظرة في أذهان الكثيرين أمام ما يرونه ممن يتاجرون بالبشر وأرواحهم، وهنا يبرز جانب آخر تبدو ملامحه أوضح لتباينها المتزايد مع قتامة الحرب وشرورها، جانب الخير في نفوس اختارت الخير ولم تجبر عليه، في أشد الظروف سوءًا وأكثرها صعوبة؛ ويروي سوريون في مختلف الأماكن حكايات عن مواقف عاشوها تشبه ما يروى عن السلف، فلنستمع منهم:

ليتران من البنزين

أبو نبيل بائع أدوات منزلية في مدينة حمص يعيش الحرب وغلاءها كما الآخرين، لكنّ ذلك لم يسلبه كل ما في قلبه من خير، ويروي لنا قصة عمرها أكثر من 7 أشهر، «كنت جالسًا في دكّاني مع بعض الجيران عندما دخل علينا شابّ غريب نهاية خريف 2014، لم يكن وجهه مألوفًا في منطقتنا فتوجّسنا منه، وطلب مني بشكل مباشر أن أعطيه بعض البنزين لحاجته».

حينها كانت حمص تعاني من أزمة محروقات كبيرة، إلى درجة أن أبا نبيل كان يؤمنها عبر سكان الأحياء الموالية وبسعرٍ مرتفع؛ تململ أصحاب أبي نبيل وأشاروا ألّا يعطيه، لكنّه كره أن يردّ الشاب دون أن يلبّي سؤله، يكمل أبو نبيل «صحيح أنه كان غريبًا وأنا لا أبيع المحروقات لكنني قرّرت أن أعطيه ليترين من البنزين لوجه الله تعالى؛ فهو في النهاية عابر سبيل أيًا كان حال البنزين غلاء وندرة».

حمل الشاب عبوة البنزين شاكرًا ووعد أن يعيده قريبًا، لكن ألسنة الجيران بدأت بعد خروجه تلوم أبا نبيل اتهامًا له بالتفريط والجنون، ومضت الأيام وطويت القصّة، ونسيها أبو نبيل ومن حوله حتى مطلع صيف 2015، ويقول أبو نبيل «دخل عليّ شاب لم أعرفه، مدّ يده مسلّما وقدم لي نقودًا، استهجنت تصرّفه ورددت يده ونقوده؛ لكنّه ذكرني بنفسه: ألم تذكرني، أنا فلان مدين لك بثمن ليترين من البنزين».

واستغرب أبو نبيل سداد ثمنها بعد أشهر، فقد اعتقل الشاب بعد خروجه من الدكان لتشابه اسمه مع «رجل مطلوب»، وخرج قبل أسبوعين ليسد «ما في رقبته من دين».

يستشهد أبو نبيل بالقصة للتدليل على الخير الباقي في نفوس الناس، ويضيف «سبحان الله؛ نسيت البنزين والشاب، واعتقل هو لأشهر لكنه لم ينسَ وعده لي، مهما حاول البعض تغيير نفوس السوريين وثنيهم عن عزة أنفسهم والخير الذي فيهم لن يفعلوا ما دام بيننا نماذج بهذه الأمانة».

كنز معونات

كانت تدور في بيتها، شتاء 2014، حيرى بما عليها فعله لتسدّ جوع أبنائها عندما قُرع الباب. فتحت ابنتها الصغرى ولم تعرف الطارق، نادت أمها «هناك شابّ يريد والدي»، هرعت الأم لتجيب وهي ترجو الله ألا يكون سائلًا بحاجة مال أو غذاء، وتقول أم محمد «لما سألته من يكون مدّ يده بكيس كبير مملوء بالمواد التموينية، وقال إنه من طرف فلان أحد أصدقاء زوجي وقد أرسل لنا بعض الأغذية؛ شكرته واستلمت الكنز الذي بيده».

«كنا نعيش أصعب أيام وقتها بردًا وجوعًا فشتاء الحصار لا يرحم، اجتمع أبنائي حولي وأنا أفتح الكيس فوجدنا داخله البرغل والمعكرونة والرز والعدس»، وتكمل «أخفيتُ دموعي وأسرعت لأعدّ لأبنائي الغداء بما أرسله الله إلينا».

في المساء، لم يعرف زوجها من الطارق ولا الصديق الذي ادّعى أنه يعرفه، تتابع أم محمد «لا أنسى كم بكيت ليلتها؛ كنا على الدوام بيت عزّ يوزع الخير لكل سائل وفقير، اليوم نفرح بصدقة الغريب ونغتبط بها، الحمد لله على كل حال».

مضت الأيام وأتيح لعائلة أم محمد الخروج من الحصار للعلاج، وبعد عام كامل من القصة أخبرتها ابنتها أن الشاب كان أحد زملائها في الجامعة، وتشرح البنت ما اكتشفته «مصادفةً» عن زميلها في الكلية، الذي «ترك دمشق وعزّها وعمله المميز في شركة اتصالات أجنبية، ملتحقًا بالحراك الثوري في الغوطة ومحاصرًا كأي فردٍ من أبنائها».

أخذ الشاب العنوان من صديقات العائلة وأحضر المعونات مخفيًا شخصيته حرصًا على مشاعرها، مقدمًا المعونات، تقول الفتاة «رغم ما نشعر به -في الغوطة- تجاه الشوام من لوم وعتاب على تقصيرهم، إلّا أن ما قدمه هذا الشاب في يومٍ عزّ فيه الرغيف لا يمكن أن يُنسى أبدًا، خرجنا من الغوطة ولا زال هو فيها مجاهدًا وحيدًا بعيدًا عن أهله وحياته ليسهم في حفظ حيوات الآخرين، ربما لن أتمكّن من ردّ معروفه يومًا، لكنني لن أنسى نبله أبدًا».

«الخير صار جريمة»

بعد اعتقال زوجها، تقول السيدة سميرة من سكان دمشق «آمنت وزوجي بالخير دومًا، لكن النظام جعل فعل الخير جريمة لا يمكن أن يقدم عليها إلا كل شجاع»، فهما يشاهدان صعوبة ظروف الجميع في ظل الحرب، وحجم النزوح إلى مدينة دمشق المتزايد مع كل تصعيد عسكري، لكنهما يخفيان المساعدة أو يمتنعان عنها.

وتوضح سميرة «سافر أخو زوجي وسلمنا مفاتيح بيته وسمح لنا بتأجيره للعائلات المستورة، وهكذا أجّر زوجي البيت لحمّال وعائلته النازحين من ريف حلب بأجر زهيد للغاية وعقد قانوني، وصرنا نرسل لهم ما يمكننا من مواد تموينية وألبسة فقد كانوا في وضع سيئ للغاية».

لكن ذلك لم يطل إذ داهمت قوات الأمن المنزل معتقلة الشاب النازح وبعده زوج سميرة، «اتهموا زوجي بأنه يساعد على إيواء الإرهابيين وإخفائهم؛ اعتقلوه عدة أشهر ثم فكّ الله أسره، لكن الشاب لا زال معتقلًا لا أحد يدري مكانه».

تؤمن سميرة أن الخير لا يمكن أن يموت في النفس المتأصّلة عليه، لكن الكثيرين يضطرون لإخفائه اليوم خشية من النظام «فجمع التبرعات وتقديمها للمحتاجين ممنوع ويتهم صاحبها مباشرة بتمويل الإرهاب؛ حتى إن توفير غرفة لأحد الأصدقاء بات ممنوعًا، إذ تتحرج صديقاتي من استقبال معارفهنّ الذين يزورون دمشق ليوم أو يومين لحاجة ما، لأن النظام يقوم بعمليات تفتيش مستمرّة للبيوت، ويسائل أصحاب المنزل في حال استضافة شخص ليس من أفراده».

قصص سمعناها وأخرى كثيرةٌ لم نسمعها، تشبه حكايات التاريخ ومرويّاته عن خير كنا نخاله مات واندثر، لكن لعلّه كان بحاجة لثورة توقظه أو شدّة تبرزه؛ وكما يقول المثل «إن خليت.. خربت».

تابعنا على تويتر


Top