ليس من أجل الناس، ولا من أجل سوريا

محمد رشدي شربجي

ليست الثورات بدعة من التاريخ، ولا الحروب المدمرة التي تتبعها كذلك، فهي بطبيعتها قد تأتي في بعض الأحيان بأعتى الديكتاتوريات، وتعتبر الثورتان الفرنسية والروسية من أفضل الأمثلة على ذلك، حتى الثورة الأمريكية التي بشرت العالم بنظام ديمقراطي، استغرق الأمر منها عشرات السنين حتى استطاعت التخلص من مشاكل العبودية في دستور «الثورة»، نفس الأمر ينطبق على الثورة الصينية 1911 التي استمرت بحروب طاحنة حتى 1949.

وبكل تأكيد فليست هذه هي النتيجة الوحيدة للثورات، فهناك ثورات استطاعت أن تنجز أهدافها بحد أدنى من الحروب والدماء، مثل الثورات التي حدثت بعد انهيار الشيوعية في دول شرق أوروبا في التشيك ورومانيا، وفي الزمن الحديث نجد ثورة تونس كمثال ناصع على ذلك.

من المعلوم أن هناك ظروفًا عديدة تحكم نجاح أي ثورة ومساراتها، فعلى الرغم من أن التاريخ يكرر نفسه ولكن ما يختلف هو الزمان والمكان والأشخاص بحسب ما يقول المؤرخ البريطاني الشهير آرنولد توينبي، فإنه من الصعب القول إن هناك عاملًا واحدًا يمكن فيه تفسير توجه الثورات بهذا الاتجاه أو ذلك.

لعل أهم العوامل التي تجعل الثورات تتجنب الحروب الطاحنة هو إيمان النخب، لا سيما المنخرطة في الثورة منها، أن مصلحتها تكمن في نظام ديمقراطي تمثيلي يحكم البلاد، والقصد بمصلحتها هو مصلحتها الشخصية الضيقة بغض النظر عن مصلحة الشعب وازدهار الوطن، ولذلك فإنها سارعت إلى اتفاق على شكل لنظام الحكم، وانتخابات حرة ونزيهة تضمن للجميع حق المشاركة والمنافسة.

يتطلب هذا الأمر تنازلًا وحكمة كبيرين، وإدراك أنه حتى لو هزم طرف من الأطراف في الانتخابات فإنه على المدى المتوسط والبعيد ستكون الديمقراطية في مصلحة الخاسر والرابح على السواء، وإلا فإن البديل هو حرب أهلية طاحنة ستدمر أول ما تدمر من اعتقد أنه بالسلاح قادر على تحقيق نصر حاسم على خصومه، وربما هذا ما عناه الشيخ راشد الغنوشي، رائد التجربة التونسية، حين رد على منتقديه بالتفريط «إننا نفضل غرفة صغيرة في سفينة ناجية على أن نستولي على جناح فاخر في سفينة تتجه إلى الغرق».

في سوريا حكمت الثورة ظروفًا مختلفة وشديدة التعقيد بالتأكيد، ولكنها لا تخرج كثيرًا عن الكلام أعلاه، فنخب المعارضة والثورة المتنوعة تنوعًا شديدًا، تعاملت مع الديمقراطية كحالة شعاراتية لا أكثر، لا تتم إلا بالإكراه ويتم البحث دومًا عن أول فرصة للانقضاض على نتائجها.

قضية أخرى تصب في ذات الخانة، وهي الوحدة بين فصائل المعارضة بمختلف أشكالها السياسية والعسكرية، فنجد أن كلمة «الوحدة» و «التوحد» طغت على خطابات الجميع، وعشرات المرات -إن لم يكن مئات- أعلن عن توحيد فصائل كثيرة لا تلبث أن تنهار لخلافات فكرية وأيديولوجية، ولأن أحد الأطراف اكتشف أن هذه الوحدة لم تكن في صالحه «مباشرة».

وما ينطبق على الحراك العسكري، ينطبق أيضًا على الحراك السياسي (بل ربما كان الانقسام السياسي محفزًا للانقسام العسكري)، حيث لم تنجح المعارضة في إنشاء كيان واحد يضمها جميعًا، حتى الكيانات المتشكلة نفسها غالبًا ما يعمل أعضاؤها نفسهم على إفشالها حين لا يجد هؤلاء الأعضاء لهم حصة وازنة في إدارة هذه الكيانات. وما النتيجة التي حصلتها المعارضة في النهاية؟

تشرذم لا مثيل له على كل المستوى، وإهدار للموارد، وعدم اعتراف دولي، وزيادة في النقمة الشعبية، واقتتال داخلي خلّف آلاف القتلى كثير منهم من القادة، ومن هذه الخلافات الداخلية استطاع تنظيم الدولة اختراق جسد المعارضة المسلحة ليكون أكبر طعنة في ظهرها.

وينبغي أن ينتبه القارئ أنني لم أشر في الفقرة السابقة إلى زيادة معاناة السكان وتعاظم أعداد شهدائهم، وإنما أشير فقط إلى أن تفكك المعارضة كان ضد مصلحتها ومدمرًا لها بغض النظر عن ناسها وجماهيرها المفترضة.

قضية أخيرة كثر الحديث عنها في الفترة الأخيرة، وهي قضية تقسيم سوريا، وبحساب بسيط سنجد كذلك أن وحدة سوريا هي في مصلحة الجميع بعيدًا عن شعارات حب الوطن وترابه وغيرها من مفردات الخطاب الوطني المهترئ، ولكن لأن سوريا المستقرة (المشكّلة وفقا لحدود سايكس بيكو) لا يمكن أن تنعم بحد أدنى بالسلام إلا متحدة، أما خيار التقسيم فلن ينتج إلا كيانات هشة تتصارع مع بعضها إلى ما لا نهاية.

ليس من أجل الناس، ولا من أجل سوريا، ولا وحدة سوريا ولكن من أجلكم ومصلحتكم، أنتم فقط، قادتنا، عليكم أن تتوحدا وتحافظوا على هذا البلد المنكوب.

تابعنا على تويتر


Top