المغالطات المنطقية

372.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 35 – الأحد – 21-10-2012

   عتيق – حُمص

كثيرًا ما نسمع في اللقاءات التلفزيونيّة والندوات الحواريّة ونقرأ على صفحات الإنترنت، مصطلحاتٍ من قبيل: التفكير العلمي، والعقلانيّة، والمنطق السليم في التفكير.

وحقًا يعتبر بناء العقليّة العلميّة واحدًا من أهم الأمور التي يجب على الإنسان أن يهتم بها، وسوف نتناول في عدّة مقالات بعضًا من أسس تلك العقليّة.

ولنبدأ مع ما يسمى في علم المنطق بالمغالطات المنطقيّة، والتي هي عبارة عن قول سائد يبدو دليلًا سليمًا على صحة فكرة ما، ولكنها تنهار أمام التحليل المنطقي.

إن كشف هذه المغالطات في مناقشاتنا اليوميّة يعتبر خطوة جوهريّة في الوصول إلى حوار سليم، ويحررنا من محاولات سلب التفكير التي تمارسها علينا جهات عدّة أهمها الحكوميّة والإعلاميّة، كلّ لمصالحه الخاصّة، مما ينمّي عندنا مَلَكة التفكير النقدي.

المغالطة الأولى:

التهجم على شخص المخالف وليس فكرته، وهو ما يعرف بالشخصنة. فبدلًا من تقديم الأدلة لدحض فكرة الطرف الآخر أو مناقشتها، يبدأ الشخص بشتم محاوره أو الاستهزاء به، أو السخريّة منه، أو اتهامه بصفات قد تكون عنده وقد لا تكون.

مثلًا، يتحدث شخص ما من أحد تيارات المعارضة عن اقتراح ما، أو فكرة ما، فتجد البعض يقول: هذا الشخص ينتمي الى التيار الفلاني، ويجب أن نحذر منه، فمعروف عن هذا التيار كذا وكذا.

وكما نلاحظ فالتفنيد لم يتناول الفكرة أبدًا، بل اتّجه إلى الشخص في التقييم والنقد.

المغالطة الثانية:

وتسمى بالرجل القش، وهم يشبّهونها بمن يصنع فزاعة من القش ويهاجمها، بدلًا من مهاجمة الشخص الحقيقي. في هذه المغالطة نجد الطرف الأول يسيء فهم كلام الآخر (عن عمد أو بدونه)، أو يحاول تأويل كلامه، أو يجتزئ من كلامه، ثم ينبري بنقد هذا الكلام المُخترَع أو المجتزأ، ليصل إلى خطأ كلام الطرف الآخر.

مثلًا، يقول البعض بأن الدولة المدنيّة، هي التي يعود فيها الحكم إلى الشعب، ولا صوت فوق صوته، وهذا ينافي ما لدينا في القرآن بأن الحكم كله لله.

لقد عمد المناقش هنا إلى صنع فكرة خاصة عن معنى «الحكم للشعب» وجعلها تناقض فكرة أخرى وهي «الحكم لله»، وراح يفنّد هذه الفكرة الهشّة، وبالتالي يظن الكثيرون بخطأ فكرة الدولة المدنية. لقد فرض المحاور التناقض بين الفكرتين من عنده (صنع فزاعة قش) وسفّه من هنا فكرة الدولة المدنيّة (هاجم فزاعة القش وليس فكرة الدولة المدنيّة).

المغالطة الثالثة:

الشيوع أو القِدم، وبها يستدل صاحب المغالطة على صحة فكرته بشيوعها عند جموع كثيرة من البشر، أو بين فئة منهم (العلماء مثلًا). أو يستند صاحب المغالطة إلى قِدم فكرته، فيقول أنها فكرة الآباء المؤسسين أو السلف السابق.

ولا يُعطي الشيوع أو القدم أي صفة علميّة للأفكار، فيجب مناقشة الفكرة بغض النظر عن نسبة أو عمر قائليها، فالقرآن يقول {أكثرهم لا يعقلون}، {وأكثرهم لا يعلمون}، ويقول على لسان الكفار {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}.

من الأمثلة على هذه المغالطة، التأكيد على خطأ الثورة في أشهرها الأولى، بالنظر إلى حجم مسيرات التأييد التي خرجت لتعلن الولاء للنظام.

وحتى اليوم نسمع من يقول: بأن هذا هو التوجه العام، وهذه هي نتيجة التصويت، وهذا أبدًا لا يعتبر دليلًا على صحّة الفكرة.

وهناك من يقول بأن هذه الفكرة أو هذا الرأي أجمع العلماء على صحته، وهذا بحدّ ذاته أيضًا لا يعتبر دليلًا على صحة الرأي المشار إليه، فلا يجوز الاكتفاء بهذا الاجماع أبدًا، بل لابدّ من مناقشة الفكرة بشكل منفصل عمن يقول بها.

ونتابع ان شاء الله في مقالات أخرى بقية المغالطات.

تابعنا على تويتر


Top