ومضات قيادية من السيرة – مقدمة لا بد منها

292.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 35 – الأحد – 21-10-2012

أجمع المفكرون بأن أزمة القيادة هي من أهم أزمات العالمين الإسلامي والعربي، وسورية ليست ببعيدة عن تلك المشكلة، ولقد ظهر ذلك جليًا في الثورة السورية في عدم وجود مستويات قيادية لدى الشباب تتناسب مع الأزمة، إذ أنه ورغم ظهور البعض ممن يملكون الحس والمهارات القيادية، إلا أن أغلبهم يحتاج إلى تهذيب وتوجيه.

تعتبر دراسة سير حياة العظماء من أهم أعمدة التدريب القيادي، وهنا سنحاول عرض بعض جوانب شخصية أعظم قائد عرفته البشرية، أكرم خلق الله وأشرف البشر، أحسنهم خُلقًا وأدبًا وإدارة، أجمع الغرب والشرق على تصدره قائمة العظماء، يسّر الله تعالى تدوين سيرته بأدق التفاصيل لتكون مرجعًا أخلاقيًا قياديًا في مختلف جوانب الحياة، إنه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

قبل البدء لا بد من عرض الفكرتين التاليتين:

الأولى: كسر حاجز (البشرية-النبوة): من سنة الله وحكمته أن يبعث الرسل بشرًا، فيتساوى الرسل مع من أُرسلوا إليهم في القدرة البشرية على الإلتزام بالتكاليف الشرعية، وقدرة التحمل والصبر على ما يعترضهم من المحن التي تسبق التمكين لأي رسالة بعثت. ولكن ما يميز الرسل عن البشر بأن الله قد خصهم بالوحي (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) {الكهف – 110}، كما خصّهم أيضًا بمعجزات حسية (الخوارق) تتناسب مع عقلية الأقوام التي بعثوا فيها أو الأحداث التي تمر بهم (كعصى موسى، وإحياء عيسى للموتى، ونبع الماء من يدي محمد). كما أن الله أعدهم إعدادًا خُلقيًا بما يتناسب مع روح الرسالة التي جاءوا بها وليكونوا قدوة لمن يأتي بعدهم من أتباع ليلتزموا بالركائز الأخلاقية التي زرعها الأنبياء والرسل في سلوكياتهم. قال تعالى عن يوسف عليه السلام (إنه من عبادنا الْمُخْلَصِينَ) {يوسف – 24} (الْمُخْلَصِينَ: من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار)

الثانية: مستويات الوعي في قراءة التاريخ: التاريخ بما ينقله لنا من عبر وأحداث وسير عظماء يعتبر المربي الأول بلا منازع. ولكن مستوى تعمقنا في قراءة التاريخ واستيعابه هو ما يحكمنا في الاستفادة منه، فالبعض يعتبره قصصًا تروى من باب المتعة، والبعض الآخر يعتبره بابًا للتغني بأمجاد ماضٍ قد أَفُل فيُبقي أحداثه حبيسة إطارها الزمني الذي وقعت فيه، وهناك من يقرأ تلك الأحداث فيستخلص منها العبر والعظات ليستشرف سنةً بشريةً أو فكرة إجتماعية يحاول تطبيقها على نفسه ومجتمعه بعد إعادة صياغتها بما يتناسب مع عصره… لذلك يجب علينا إعادة النظر في طريقة قراءتنا للتاريخ وللسيرة خصوصًا، وضرورة التعمق في الأحداث، وأخذ الظروف المحيطة بكل حدث بعين الإعتبار سواءًا كانت الظروف جغرافية أم فكرية أم إجتماعية أم اقتصادية أو غير ذلك.

سنتناول في كل مقال من المقالات القادمة بإذن الله مبدأ أخلاقيًا أو قياديًا في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وسنعرض بعض القصص التي ترسّخ ذلك الجانب من السيرة النبوية، مع شرح فاعلية ذلك المبدأ الأخلاقي/ القيادي في المجتمع ومحاولة وضع مقاربةٍ بينه وبين الثورة السورية قدر الإمكان، آملين أن يلتفت أصحاب الفكر والقلم لأهمية موضوع الفكر القيادي في المرحلة الحالية والمستقبلية لسورية، فيساهم كل منهم بما مكنه الله في هذا الموضوع.

تابعنا على تويتر


Top