أم حسام.. زهرة  من أزهار داريا

«أمي تمنت أن ترى حسام قبل أن تموت»

242.jpg

سحر «زهرة» خولاني (أم حسام دغموش): أمٌ مناضلة مكافحة، وزوجة فاضلة وامرأة ثائرة. بدأت قصتها مع بدء الثورة في داريا حين شارك أبناؤها في ركب الثورة.

لاحقتْ قوات المخابرات الجوية بِكرها «حسام» فصار مشردًا بين بيت وآخر، فلا تراه إلا بين الفينة والفينة، فباتت تواسي جراح زوجة ابنها التي حرمت منه بسبب ذلك، فكانت الأم تبث القوة في روح ابنها وزوجته، وتضمر داخلها حنين الأم لولدها الذي لا تراه إلا ندرة ولبرهة من الوقت، وليس لها منه إلا صوته الذي تسمعه على الهاتف.

اشتد غضب أجهزة الأمن ونقمتهم على العائلة برُمتها لأنها احتضنت الثورة، وباتت تلاحقهم وتداهم منزلهم مرارًا بحثًا عن حسام، وتتعقب كل أفراد العائلة وتهددهم من أجل تسليمه.

شاركت أم حسام  في التظاهرات النسائية بداريا منذ بدايتها، وكانت حاضرة مع الأمهات في الاعتصامات المطالبة بأبنائهن المعتقلين داخل سجون النظام. وبعد مشاركة أم حسام في هذه المظاهرات كثرت التقارير الأمنية بهذه العائلة الثائرة فاشتد التضييق عليهم حتى جاء اليوم الذي اعتقلوا فيه زوجها أبو حسام بعد مطاردته في سيارته، ولفقوا له تهمة “ظلمًا وبهتانًا” اعتقلوا معيل العائلة ليكسروا إرادتها، إلا أن ذلك زادهم إصرارًا على نيل الحرية ورفع الظلم عن الناس وعن أنفسهم والمطالبة برب أسرتهم.

أم حسام تعرضت للعديد من التهديدات الأمنية كلما شاركت بمظاهرة أو اعتصام أو أي نشاط ثوري لأنه «يمس هيبة الدولة» كما يزعم عناصر الأمن.

في إحدى المداهمات لمنزلها تم تكسير بعض المحتويات وسرقة البعض الآخر، كما هددها أحد الضباط بالاعتقال وإلحاق الأذى بها وبعائلتها في حال لم يتوقفوا عن نشاطهم الثوري. كما أجبروها على كتابة تعهد خطي بعدم المشاركة بأي مظاهرة، فرضخت الأم المسكينة إلى التهديدات على أمل الإفراج عن زوجها.

مرت أيام عصيبة على أم حسام، كانت تحتاج فيها إلى من يقف إلى جانبها، فزوجها مغيّب في أقبية المخابرات الجوية، وابنها البكر ملاحق ولا يأتي إلى المنزل، والقبضة الأمنية تلاحق كل من يساعدهم حيث اُعتقل ابن أختها وبات صهرها زوج ابنتها ملاحقًا.

ويأتي اليوم الذي يُعتقل فيه ابنها حسام على حاجز أمني… وتتعالى الأم الصابرة على آلامها وتصبر على مصابها الذي لطالما كانت تتوقعه وتخشاه… لكنها لم تجزع… فهي التي لم تبخل يومًا بنفسها أو بأولادها من أجل حرية هذا الشعب المظلوم.

أيام قليلة ويضيء بصيصُ أمل حياة أم حسام، عندما أُفرج عن زوجها بعد أيام من اعتقال حسام، بما يؤكد أن الأجهزة الأمنية قد اعتقلته كرهينة للضغط على ابنه، كما هو حال الكثير من الناشطين.

وأثناء الحملة الأمنية التي تعرضت لها داريا بعد عيد الفطر مباشرة، والقصف العنيف والإعدامات الميدانية التي شهدتها المدينة، خرجت أم حسام يوم السبت بعد أن هدأ القصف لتُحضِر بعض الحاجيات للناس في الملجأ الذي كانت فيه، ولتطمئن على ابنتها. يومها قام عناصر الأمن والجيش بإيقافها وولدها مرهف الذي يبلغ من العمر عشرين عامًا، وليأخذوا منهم سيارتهم وكل ما يملكونه أو ما يثبت هويتهم، وجمعوهم مع العشرات من المارة على رصيف قرب تربة البلدة، وبعد ساعات أخبروهم أنهم قد أمّنوا الطريق وتخلصوا من المسلحين وصار بإمكانهم العودة الى منازلهم بأمان.

أمرهم العناصر بالتحرك على شكل مجموعات من خمسة أشخاص، وعندما حان دور أم حسام طلبت أن يذهب ابنها مرهف معها فوافق الضابط على ذلك… وعندما طلبت استعادة هويتها قال لها الضابط احصلي على بدل ضائع لاحقًا.

ما كادوا يسيرون بضع خطوات وإذ بالرصاص ينهمر عليهم من بنادق الشبيحة وعناصر النظام، وتصارع أم حسام الموت لساعات وهي تنزف، فيما ابنها مرهف صريع إلى جانبها دون أن يتمكن أحد من إسعافهما… شاهد عاش ذلك الموقف وقدّر الله تعالى له النجاة من الموت روى جزءًا من المعاناة التي عاشتها أم حسام في تلك اللحظات.

ابنتها الوحيدة تقول «أمي تمنت أن ترى حسام قبل أن تموت» وكأن قلبها أحسها أنها ستفارق هذه الحياة. ولطالما قالت أم حسام لصديقاتها «ادعولي نال الشهادة».

تتابع ابنتها القول «أمي تحمل أطيب قلب، كانت تحب أن تساعد الجميع، حتى في أيام حصار داريا كانت تساعد في جلب المؤن للناس وتوزعها على الملاجىء».

لم تنم أم حسام قريرة العين منذ بداية الثورة، كانت تحلم بنصر من عند الله لهذا الشعب الذي قدم وضحى، فكانت تبكي كل الشهداء كأولاد لها ربتهم.

إحدى صديقاتها تقول: دائمًا كانت أم حسام توصي أبناءها قبل خروجهم إلى المظاهرات بالوضوء قائلة «ربما نلتم الشهادة»… وعندما سألتُها مستغربة -تتابع الصديقة- كيف تستطيعين قول ذلك لأولادك؟ كان جوابها: «سيموتون حتى لو كانوا في أحضاني».

منذ بداية الثورة لم يلتم شمل هذا العائلة الثائرة ما بين ملاحق ومعتقل ومشرد ومطلوب… عسى الله أن يجمع شملهم في الجنة حيث ارتقت مع ابنها مرهف.

تابعنا على تويتر


Top