نزوح… مرة أخرى

73.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 35 – الأحد – 21-10-2012

سارة هادي – حلب/ خاص عنب بلدي

منذ أن بدأت الحملة الشرسة على حلب غرة رمضان وبالتحديد على المناطق الفقيرة، بدأت حركة النزوح ضمن المدينة من المناطق المستهدفة إلى المناطق الآمنة لتعيد إلى الأذهان حركة النزوح والتهجير التي تعرض لها السوريون في الجولان قبل احتلاله في عام 1967، مع فارق بسيط هو أن ذاك النزوح كان بسبب محتلٍ معتدٍ، أما الآن فإن العدوان يتم بأيدي من هو من المفترض أن يكونوا حماة للديار.

كمٌّ هائل من أهالي حلب – بلغ تقريبًا المليون- نزحوا تاركين وراءهم ذكرياتهم وبيوتهم وكل ما يملكون هربًا من شظايا الموت التي لم تفرّق بين طفل وشاب أو بين إمرأة وشيخ، بين مؤيد أو معارض. لجأ هؤلاء إلى المدارس والجوامع، ومنذ 90 يومًا وحتى اللحظة ومع كل دفعة من براميل الموت ومدافع الغدر والخيانة وطلقات الحقد الطائفي، تتزايد دفعات النازحين حتى ضاقت بهم المدارس والمساجد فأصبحوا يفترشون الحدائق والشوارع!! أجل فقد تم تسجيل رقم قياسي عالمي لأعداد اللاجئين في مدينة حلب، حيث بلغ عددهم المليون توزعوا على 170 مدرسة و49 مسجدًا. أما الباقي فقد نزح لدى أقاربه وأهله ضمن منطقة المربع الآمن في حلب والذي تبلغ مساحته ربع مساحة المدينة.

بارقة أمل ظهرت من ضمن هذه المأساة الإنسانية. وبثت في الأهالي التفاؤل بغد أفضل، حيث هبّ الناس بكل أطيافهم ضمن حملات إغاثة لهؤلاء المنكوبين. لقد ظهرت اللحمة الاجتماعية بأبهى وأجمل صورها عندما توجه الشعب الحلبي للمدارس والمساجد والطرقات فرادى وجماعات ليقدموا كل ما يستطيعون لإخوانهم المنكوبين، من دعم مادي ومعنوي. حيث تم تأمين احتياجاتهم الحياتية ماأمكن، من غذاء ودواء وملابس، كما كانت هناك محاولات لإشغال أوقاتهم ببرامج مفيدة، فأقيمت دورات محو الأمية للكبار، أما بالنسبة للصغار فقد كانت هناك دورات القرآن الكريم واللغة العربية واللغة الإنكليزية والفنون والدعم النفسي.

شُكلت فرق عمل من قبل النازحين أنفسهم بالاشتراك مع المتطوعين لحماية المدارس والانضباط ولتوزيع الطعام وحل أية مشكلة قد تطرأ. كما أقيمت ندوات التوعية الاجتماعية وندوات حول كيفية إدارة أزمة النزوح من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، ومؤخرًا ومع بداية العام الدراسي بدء العمل على توزيع الأطفال ضمن صفوف تعليمية من أجل تعويضهم عن الدروس التي حُرموا منها جراء اليد التي اغتالت أحلامهم في غد مشرق مضيء بالعلم… كل هذا أعطى الأهالي الأمل ببناء بلد جديد حر بأيدي وسواعد أبنائه الشرفاء.

قد يكون من أكبر ايجابيات هذه الثورة هي أنها أبرزت للشعب السوري وللعالم أجمع قوة وصلابة هذا الشعب في وجه أعتى وأقذر نظام على وجه الأرض. فبالرغم من كل محاولات قهر هذا الشعب من قبل العالم كله، إلا أنه أذهل الدنيا بصلابته وثباته على مبدأه مقدمًا كل يوم مواكب الشهداء التي لا تتوقف… لقد أعيد للشعب السوري الأمل بغدٍ جديد، بمستقبل مشرق يصنعه أبناء هذا الوطن. هذا الأمل يتجدد ويتعزز ويُشرق من جديد مع كل قذيفة مدفع وطلقة رشاش ودم شهيد. هذه الدماء الطاهرة القانية كشقائق الربيع الحمراء هي التي روت هذا التراب الطاهر الكريم  الذي أزهر في سوريا ربيعًا دائمًا مشرقًا مضيئَا، مبشرًا بسوريا حرة أبية قوية..

تابعنا على تويتر


Top