رصاص يا بنات..

عجقة سير وسيارات…

وصوت سكربينات

وإيدين تغني فيهن… سكر يا بنات

تستل قلمها الأزرق ذو العشر ليرات، تفرغ على الورقة ما استطاعت إبقاءه في ذاكرتها المثخنة بالقتل والاعتقال من سطور حفظتها رغم البرد والعتمة،

ورغم أزيز الرصاص وتكسير الأبواب. وما أن تسمع أصوات رفيقاتها تهدر من بعيد حتى تطير بالورقة إلى المراقبين، تنسى معطفها، ومظلتها، وكل ما يربطها بحياة، وتركض تجاه الموت.

عند باب المدرسة تتخمر بحجابها الأبيض، أدنى ألا تعرف فتؤذى، وتلمع عينان سوداوان عزيمة وإصرارًا. تنضم للرؤوس البيضاء وتمشي قطرة في نهر كأنه الكوثر.

كفوف يافعة كانت تحمل أقلامًا، تحمل الآن أرواحًا. تهتف حناجرهن للحرية، بعد أن كبتنها وكتبنها على كل جدار وكل مقعد، على كل كتاب وكل دفتر، حتى كدت تراها مطبوعة على جباههن لو أمعنت في وجوههن الطفولية.

-حرية.. حرية..

-طلقة.. فطلقة.. فطلقات

-اركضن يا بنات فالنبيحة مسعورون!

ويفيض النهر الأبيض العظيم في حارات البلدة وأزقتها، ولا يبقى خلال دقائق إلا صمت مطبق، يقطعه نباح شبيح هنا، وعواء آخر هناك.

تعود إلى البيت لاهثة مبتلة، دون معطف ولا مظلة. تقبل أمها وصورة أخيها المقتول منذ أشهر، تدعو الله لفك أسر أبيها. تتصل برفيقاتها لتطمئن على اجتيازهن الامتحان، امتحان الرصاص، وتواعدهن اللقاء في امتحان الغد.

تابعنا على تويتر


Top