منابر الحرية تعود إلى السلاطين

في حرب النظام والتنظيم، مآذن ديرالزور يكممها القصف والتطرف

_عثمان_بن_عفان_شباط_2014.jpg

سيرين عبد النور – ديرالزور

الهتاف الأول في دير الزور كان لعشرات الحناجر المطالبة بالحرية في مواجهة مئات من شبيحة النظام وقواته، خلال مظاهرة مسجد المفتي الكبير في المدينة، في الأول من نيسان 2012؛ وإن سبقه تجمع انطلق من مسجد الصفا رافضًا دعاء إمامه لبشار الأسد، فكممته يد العنف، وتزامن مع انتشار «مشايخ النظام» في المساجد الأخرى لإخماد أي صوت ينادي بمطالب الشعب.

هناك كانت بداية موجة احتجاجية على الظلم والخطاب الديني الموالي «للسلطان المستبد»، نواتها مساجد حفرت ذكراها في أذهان الأهالي، ما لبث أن دمرها قصف النظام، ومن ثم نسف فكرها التنظيم، ليعود الخوف متسللًا إلى القلوب، ولتستذكر الألسنة عبارات تقليدية تدعو إلى السكوت والتزام السلامة، شاع ترديدها على مدى حكم الأسدين قبل الثورة.

«التطرف» و «الفسق».. ملّتان في عباءة واحدة

من حي الشيخ ياسين الخاضع لسيطرة التنظيم، يشير أبو مصعب، خريج كلية الشريعة، إلى الطرف الآخر من المدينة الخاضع لقوات الأسد، قائلًا بنبرة لا تخلو من الاستهزاء، «هناك يمدح خطباء المساجد سيادة الرئيس داعين له بطول العمر والبقاء، مشيدين بحميد إنجازاته العظيمة، التي لم نر منها سوى تدمير البلاد وتهجير العباد».

حُرِم أبو مصعب من التوظيف، ومُنع عن الخطابة بسبب أفكاره وانتقاده للسلطة، فبقي في حي الشيخ ياسين محاصرًا بملاحقة أجهزة الأسد الأمنية بتهمة «التطرف». وبعد انطلاق الثورة، أنشأ مدرسة وتسلم الخطابة في مسجد في البلدة إلى أن عزله التنظيم وأقصاه عن كليهما بتهمة «الفسق» و «عدم الأهلية».

وأمام هذه المفارقة، يضحك أبو مصعب معقبًا «مذهل هذا التناغم بينهما، النظام والتنظيم، كوجهين لعملة واحدة… ربما كلاهما خريج مدرسة واحدة ومنبع واحد».

أحفاد التتار

ويوضح الشيخ محمد، المهجّر عن حي الصناعة، أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يتوانَ عن استهداف المساجد ودور العبادة، وعلى امتداد رقعة سيطرته دمّر مساجد أثرية وأضرحة ومقامات، يرى الشيخ أنها «تحمل قيمة تاريخية كبيرة، فضلًا عن قيمتها الروحية في نفوس شريحة واسعة من المسلمين».

كذلك فجر التنظيم عشرات المساجد في دير الزور وريفها متذرعًا بوجود قبور داخلها أو حولها؛ ولم تفلح إزالة الأهالي للقبور في أن يعدل التنظيم عن فتوى تدميرها وإحراق مئات المخطوطات الإسلامية النادرة. ويرى ناشط في المدينة أن ذلك دلالة «قرابة دم ونسب» بين التنظيم والمغول والتتار.

اتسعت رقعة الدمار في المساجد مع عمليات التنظيم العسكرية في محيطها، ومنها مفخخات يفجرها بالمصلين، سواء بهدف بث الرعب في قلوبهم أو لاغتيال شخصيات قيادية، غير آبه بأعداد الضحايا على هامش أي من هذه العمليات.

وتستنكر أم عامر، المقيمة في قرية حطلة والتي شهدت تدمير 3 مساجد على يد التنظيم في الريف الشرقي لديرالزور، «وحشية» عناصر التنظيم في استهداف المساجد واستهزائهم واستهانتهم بها، وتعتبر ذلك «رسائل ود وسلام» بين الأسد والبغدادي، الشريكين في غاية «ذبح الشعب السوري وتدمير دينه وحضارته» بحسب قولها.

تعددت الألسن، والخطاب واحد

كشف نشطاء المدينة عن خطب معدة مسبقًا يوزعها التنظيم على الخطباء، تملي عليهم موضوع الخطبة والنقاط التي تتطرق إليها، ووجوب الدعاء للخليفة والإمام، والإشادة بالدولة الإسلامية، وترهيب الناس من تبعات زوالها؛ لتؤول منابر الخطباء مجددًا إلى «خطب حزبية» كما يقول أبو سعيد، ابن ديرالزور، عن حرمة «المساس بهيبة التنظيم»، ووجوب «الطاعة العمياء للخليفة».

وبحسب أبي عامر، من حي الجبيلة، لا يختلف خطباء التنظيم عن خطباء النظام سوى في «المظهر الخارجي» وإن تباينت لهجاتهم، لكن المضمون يبقى «تبجيل القائد وحكمته».

الطابور الخامس

على بعد أمتار من مسجد «حرويل» يقف أربعة عناصر محليين تابعين للتنظيم، يستخدمون السواك، ويرقبون مرتادي المسجد من أهالي الحي بهدف إحصائهم، يعرفنا عنهم أبو سعيد بأنهم من «ديوان الحسبة».

فسعيًا لإحكام قبضته ومعرفة العناصر المناوئة له، نسج التنظيم شبكة من مخبرين محليين تتراوح أعمارهم بين 10 و50 عامًا، وتضم نسوة ينقلن ما يجري في أحيائهن وبين جيرانهن. ويقول الأهالي إن هؤلاء «يرقبون حركات المصلين وسكناتهم»، وهم ممن يغريهم المال، أو التقرب من الفئة الحاكمة.

منابر جهادية

تتفشى آثار الرصاص في بناء مسجد حرويل، لكنه ما يزال بحالة جيدة رغم القصف المكثف على محيطه؛ لذا يشهد حضورًا كثيفًا حتى من أحياء مجاورة. ويشير حسين من حيّ العرضي، أن المسجد من أبرز منابر الحركة السلفية في المدينة، قائلًا «أحسن الشباب المجاهدون ومعلمونا الأوائل استخدامه لنشر الفكر السلفي الجهادي الذي أشعل شرارة الكفاح المسلح»، متحدثًا عن نشر مطويات وإعلانات كخطوة تمهيدية للمعسكرات القتالية التدريبية المترافقة بدروس الفقه والعبادات.

وتسهم المنابر التي يعتليها خطباء التنظيم مع الخيم الدعوية في الساحات في جذب عناصر جديدة إليه، وزيادة حاضنته الشعبية. والخطاب المعتمَد قائم على التجييش ضد «أعداء الإسلام»، المصطلح الشامل لوصف كل من يخالف فكر التنظيم.

الشبان في المدينة باتوا الخزان البشري لعناصر جهادية جديدة تغذي التنظيم بعد أن وقعوا فريسة الترويج والاستغلال لعمق الارتباط الديني لديهم؛ إذ يدافع هؤلاء الشباب عن التنظيم ظنًا منهم أنهم يدافعون عن الإسلام، و «الإسلام منهم براء» كما يجمع عديد من الفقهاء والعلماء، بل ويرون في أفعاله إضرارًا بصورة الإسلام وبالمسلمين حول العالم.

فساحة «حرويل» تكتظ بقاصدي خطبة الشيخ الثلاثيني «أبو المنذر» من مصر؛ وسامر من حي العمال، يقطع المسافة إلى المسجد «طمعًا في الاستماع إلى الشيخ الجليل»، الذي بات له متابعون وأنصار في المدينة، التحقوا إثر الاستماع إلى خطبه، بصفوف تنظيم الدولة، وبدورات شرعية تابعة له.

حنين

كانت ومضة لم تطل، ما بين قمع النظام وخطابه البعثي، وبين جبروت التنظيم وخطابه المتشدد؛ لكنها رسخت في أذهان أبناء الثورة: بريق المنابر وهي تصدح بكلمة حق في وجه سلطان جائر، بريق يولد طيفه الحنين إلى «روح الثورة» كما يقول الناشط حسين وقد دمعت عيناه، «أحن إلى لحظات كنا نلوذ فيها بحمى بيوت الحق، محتمين بالقبب الرحيمات من جور المفسدين».

تابعنا على تويتر


Top