هل تنقذه «الشفافية»؟

داريا.. حملة تشويه تستهدف المجلس المحلي

..-اتهامات-بالجملة-تعصف-بالمجلس-المحلي...jpg

عنب بلدي – خاص

لم تخل الثورة النموذجية -نسبيًا- في داريا من اختلافات وخلافات، تعود جذورها إلى تباين فكري قديم بين شبابها، ثم إلى الظروف المعيشية المتردية التي أحاطت بأهلها النازحين والمحاصرين منذ قرابة ثلاث سنوات؛ كما لم ترق هذه الخلافات إلى حد تعكير النشاط الثوري أو إفشال مؤسساته، فلطالما تجاوز شباب المدينة العقبات متفقين على خطوطٍ عريضةٍ تضعهم في خندق واحدٍ ضد الأسد.

مؤخرًا، شهدت داريا سلسلة انتقادات وجهت للمجلس المحلي الذي يدير المدينة خدميًا ومعيشيًا منذ تشرين الأول 2012، بلغت أوجها بعد حملة أطلقها مجهولون عبر صفحة على موقع فيسبوك أسموها «داريا لفضح المتلاعبين بحقوقنا»، هدفها، كما يقول أصحابها، «أن تصل الحقوق لأصحابها بالعدل دون أي تمييز، وفضح كل من لا يتق الله في أهل داريا والتشهير به».

حقائق أم تشويه؟

شنت الصفحة هجومًا لاذعًا طال عددًا من أعضاء المجلس المحلي، السابقين والحاليين، متهمةً إياهم بالسرقة والاستئثار بالمساعدات المقدمة لأهالي داريا وتحويلها إلى «مكافآت ورواتب».

واستدلّ «فريق داريا»، وهو اسمٌ اتخذه مديرو الصحفة لإخفاء شخصياتهم، بعددٍ من إيصالات استلام المجلس لمنحٍ من منظمات دولية تعود لبرامج «لم تنفذ»، وفق رواية الصفحة، إضافة إلى جداول مسربة لعمليات تحويل مبالغ إلى ممثلي المجلس ووكلائه في عدة دول، دافع المجلس عن بعضها وشكك بصحة أخرى.

«من أجل من ماتوا لإعلاء كلمة الله، ماتوا لكي يتخلصوا من الاستبداد والقهر والتسلط والمكر»، عبارة كررتها الصفحة مرارًا إلى جانب صور شهداء المدينة، متهمة أعضاء المجلس بانتمائهم لتيار فكريٍ واحد أطلقت عليه اسم «الأكرمجية»، نسبة إلى المربي الداراني عبد الأكرم السقا، المعتقل منذ أكثر من 4 سنوات في سجون النظام، ونالت من عددٍ من رموز التيار، المعتقلين والشهداء.

الحملة لاقت تفاعلًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا في أوساط النازحين في الغوطة الغربية، الذين يواجهون ظروفًا معيشية وأمنية متردية بعد ألف يومٍ على نزوحهم من داريا.

«استئصال المفسدين».. مطلبنا

اتسمت منشورات «لفضح المتلاعبين بحقوقنا» بالتخبط وتوزيع التهم بالجملة، لكنّ أصواتًا أخرى مارست انتقاداتها للمجلس من باب «الدفاع عن العائلات التي تشردت»، كحال شاكر عبد الرحمن، ابن المدينة النازح إلى غوطة دمشق الغربية. يقول شاكر «للأسف يعتقد البعض أن انتقاد المجلس أو غيره هواية أو مهنة اتخذناها لنملأ أوقات فراغنا، لكنهم نسوا أن داريا أكبر من الجميع وهي ملك الجميع، فلنا حقوق معنوية تتمثل بإشراكنا في إدارة حاضرنا ورسم مستقبل بلدتنا، لاسيما أننا خرجنا منها مكرهين لنقع في حضن نظام ارتكب بحقنا أفظع الجرائم».

«آلاف العائلات تُركت أمام بطش النظام بلا حماية أو مأوى لتبدأ رحلة التشرد الداخلي والخارجي، بينما غرق قادتنا بمستنقع خلافاتهم السلطوية على المناصب والغنائم»، يتابع شاكر، مشيرًا إلى حقوق مادية تتمثل بأرزاق وممتلكات تركت في المدينة، قد سلبت واغتنمت «لتزيد سطوة فلان ويتسيد على أبناء بلده دون أي رقابة أو محاسبة.. فما يحق لحامل السلاح لا يحق لغيره».

وبحسب الشاب الجامعي، فإن الخروج من عنق الزجاجة يتطلب البدء فورًا بخطوات جراحية لاستئصال المفسدين والمسيئين، ثم إعادة الحقوق إلى أصحابها بتفعيل سبل التعاون معهم بطرق مختلفة تضمن الشفافية القصوى وسرعة الاستجابة لمطالب الأهالي».

«الشفافية».. هل تنقذ المجلس؟

وبعيدًا عن حقيقة الاتهامات الموجهة إلى المجلس من عدمها، فقد وضعته أمام حملةٍ واسعة، وحِمل فاق طاقته في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها المدينة والأعباء الملقاة على عاتقه، وفق أبو نذير، أمين سرّ المجلس، ليبدأ أعضاؤه بنشر سلسلة من البيانات توضح عمله «من باب الحرص على إيصال الصورة الصحيحة لأهلنا وعدم ترك الساحة لثلة من المتحاملين الذين يصطادون بالماء العكر بأن يسوقوا للناس المهجرين بما يريدونه فقط وبما يتناسب مع هواهم»، وفق أبو نذير.

مدير مكتب العلاقات، أمجد العبار، كشف عبر مجموعة في الفيسبوك ينشط فيها شباب داريا جملةً من التفاصيل حول علاقة المجلس بممثليه وطريقة صرف التعويضات «علّ ذلك يكون تبيانًا لحقائق يتم الترويج لها بلغة التشكيك والفتنة».

ويمثل المجلس أشخاص من أهالي المدينة في دول الجوار وعلى مستوى العالم، للتواصل مع المنظمات والجمعيات، وفق العبار، الذي أكد أن أغلب الممثلين يعملون بشكل تطوعي ولا يتقاضون رواتب، بينما تدفع تعويضات لبعضهم مقابل بعض الأعمال وحسب التفرغ، مفصلًا قيمة التعويضات التي صرفها المجلس منذ تشكيله.

وعن جداول تحويل المبالغ التي نشرتها الصفحة، نقل أمجد طريقة التوثيق عبر «شبكة تحويل» تكلف جهدًا كبيرًا يبذله المكتب المالي، إذ يسجل الممثلون كل التحويلات الواردة والصادرة ولو لم تكن لصالح المجلس، مؤكدًا أن بعض التحويلات المذكورة ليست رواتب كما سوّق لها.

وبالعودة إلى نهاية عام 2014 المنصرم، قدم المكتب المالي تقريرًا شاملًا عرضه على أعضاء المجلس ولواء شهداء الإسلام، كما فعّل المجلس «الهيئة التشريعية» ومن ضمن مهامها مراقبة عمل المكتب التنفيذي وحركة المال، وقد عرض عليها تقريرًا ماليًا آخر شهر آذار 2015.

ملف الأيتام إلى العلن

الانتقادات حول ملف الأيتام نالت نصيبًا كبيرًا من الحملة، قابلها المجلس بتقرير مفصّل بتاريخ 14 تموز الجاري، أفاد بأن المكتب المالي يواجه استحقاقًا قيمته حوالي 52 ألف دولار في الدفعة الواحدة (شهريًا)، تعود لحوالي 2500 يتيم ينتمون لقرابة 890 عائلة.

وأوضح التقرير أن الكفالات المالية في أحسن أحوالها وصلت إلى 30 ألف دولار، وهي في صعود وهبوط بحسب الجمعيات الداعمة، مؤكدًا أنّ العجز المالي البالغ قرابة 25 ألفًا يبقى سببًا رئيسيًا في تأخير الدفعات.

وبحسب أبو نذير، فالهدف من التوضيح «تبيان حقيقة عملنا للناس المنصفين الذين يريدون معرفة الحقيقة ليس أكثر»، وذلك بعد فترة من الحذر والتحفظ على نشر الحقائق خارج داريا لدواعٍ أمنية تتعلق بسرية المعلومات وخطورتها، بينما اعتبرت صفحة «فضح المتلاعبين» الكشف عن ملف الأيتام «بادرة إيجابية نحو الشفافية التي طالبنا بها، ونريد أن يستمر».

وتعهّد أمين السر بأن المجلس سينتهج في المرحلة المقبلة سياسة الإفصاح عن نشاطاته وأعماله سواء في الداخل أو الخارج «لتفويت الفرصة على كل من يريد أن يتسلق على عمله، أو يستغل حالة عدم الإفصاح الكامل ويجعلها تهمة لنا ويبني عليها افتراءاته».

وبحثٌ عن «الوفاق»

«مشكلتان تتفاقمان مع امتداد الزمن» دفعتا عددًا من أهالي المدينة «المستقلّين» إلى إطلاق مبادرة «وفاق»، لتجاوز مشاكل التمويل والتوزيع والتوافق التي لا يمكن فصلها عن بعضها، وفق بيان نشرته صفحة المبادرة في 13 تموز.

ووضعت المبادرة «خبرة مؤسساتية تساعد في ملف التمويل والتوزيع، علّها تحسن مستوى الأداء الإغاثي وتقدّم تقارير موضوعية، لتفتح مدخلًا للعمل على ملف التوافق»، طالبةً التعاون من الأطراف المؤثرة بالقضية، ومؤكدةً أنها «لا تريد مزاحمة الهيئات والفصائل ولا تودّ استمالة أحد إلى صفها».

منتقدو المجلس عبر صفتحهم (لفضح المتلاعبين) اعتبروا المبادرة تغييرًا إيجابيًا لمراقبة المجلس والمؤسسات الثورية، فعلقوا نشاطات الصفحة مهددين بعودتها «في حال لم نشهد أي تطور ملموس، أو عند محاولات الالتفاف على اللجنة وتحييد دورها»، كما رحب المجلس بالمبادرة مشيرًا إلى عدة اقتراحات سابقة تحت مسميات أخرى لم يكتب لها النجاح.

لكنّ ناشطين من المدينة لم يعولوا كثيرًا على المبادرة، معتبرين أن حملة الانتقادات تفتقر أصلًا إلى الموضوعية، وهدفها الشتم والتشويه والاتهام فحسب، متسائلين عن كيفية التوصل إلى تفاهم مع مجموعة مجهولة تختبئ وراء أسماء وهمية.

تأسس المجلس المحلي لمدينة داريا في تشرين الأول 2012، إثر مجزرة داريا الكبرى التي نفذتها قوات الأسد، بهدف تنظيم العمل الثوري والنشاطات المدنية وضبط العمل العسكري، بالإضافة إلى توحيد التنسيقيتين اللتين بدأتا نشاطهما مطلع الثورة، تنسيقية لجان التنسيق المحلية مع تنسيقية إسقاط النظام، واللتين تمثلان تيارين أساسيين في المدينة.

وقد شكلت حينها لجنة من الحكماء مؤلفة من 5 أشخاص، دعت الطرفين ووجهاء من المدينة وبعض المختصين لإجراء الانتخابات وتحديد المكاتب الأساسية، وعددها اليوم 8 إضافة إلى التنفيذي والهيئة التشريعية والهيئة العامة ورئاسة المجلس.

ويعتبر المجلس مسؤولًا عن تقديم المساعدات لسكان المدينة النازحين والمحاصرين، وتعمل مكاتبه على مشاريع طبية وخدمية وإغاثية وتعليمية، لكن الاحتياجات تفوق دائمًا الدعم المقدم له من الجمعيات والمنظمات، وفق ما ينقل أعضاؤه.

تابعنا على تويتر


Top