خيارات تركيا الصعبة في سوريا

محمد رشدي شربجي

من الصعب حتى الآن التنبؤ بالنتائج النهائية للتحركات العسكرية التركية الأخيرة على حدود سوريا، ولكن ما هو أكثر وضوحًا أن أمريكا نجحت في جر تركيا إلى حرب حاولت التمنع عن الدخول فيها منذ زمن طويل.

منذ سيطرة تنظيم الدولة على مدينة الموصل في حزيران 2014 تغيرت النظرة الأمريكية بخصوص التدخل في سوريا والعراق، فقد ظهر أن محاولة أمريكا نقل التركيز من الشرق الأوسط نحو محاصرة التنين الصيني أصعب مما تبدو، فـ “لا بد أن تزور الشرق الأوسط قبل أن يزورك هو”.

تعتمد استراتيجة أوباما “الواقعية” فيما يخص قضايا المنطقة على “التوازن الإقليمي عن بعد”، بمعنى أن تدعم الولايات المتحدة شركاء محليين لتنفيذ المهمات طالما لم تكن التهديدات تمس المصالح الحيوية الأمريكية بشكل مباشر، من هذا الباب فإن الولايات المتحدة ترى في تنظيم الدولة تهديدًا جديًا لمصالحها، ولكن ليس للحد الذي يتطلب تدخلًا عسكريًا بريًا، ففي نهاية المطاف تقع أمريكا على الضفة الأخرى للمحيط الأطلنطي، وعلى من يعيش التهديد المباشر من تنظيم الدولة أن يتدبر أمره بنفسه.

رفضت تركيا في أيلول 2014 التوقيع على البيان الختامي لمؤتمر جدة بين الولايات المتحدة والدول العربية لمحاربة “داعش”، وعلل البعض حينها هذا الرفض بالرهائن الـ 49 الذين احتجزهم تنظيم الدولة عند سيطرته على الموصل، ولكن تركيا كان لديها اعتبارات أهم، وأبرزها أنها تعتبر أن أي حملة عسكرية على داعش فقط دون أن تشمل الأسد سيستفيد منها القوى الأكثر تنظيمًا، وهو نظام الأسد، المحرك الأول للاضطراب بنظر أنقرة، وحزب الاتحاد الديمقراطي فرع حزب العمال الكردستاني والذي تخوض تركيا حربًا ضده منذ ثمانينات القرن الماضي، كما أن تنظيم الدولة يستطيع أن يؤذي تركيا من خلال خلاياه النائمة في حواضر المدن التركية الكبرى، ومن خلال محاصرته لضريح سليمان شاه الذي قامت الحكومة التركية بنقله لداخل تركيا في شباط 2015، وبناء على هذا كله رفضت فتح قاعدة أنجرليك (قاعدة عسكرية جوية بنتها أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية ونفذت من خلال عدة مهام أبرزها الحظر الجوي فوق العراق في حرب الخليج الثانية) أمام قوات التحالف.

تجاهلت أمريكا مخاوف تركيا كليًا، ومضت في استراتيجيها التي أقرت في أكثر مناسبة أنها غير كاملة، ومضت في تسليح أكراد العراق والاعتماد على القصف في سوريا، وأثارت في وسائل الإعلام المختلفة الادعاءات بدعم وتمويل تركيا لتنظيم الدولة، الأمر الذي أساء لصورة تركيا، والأهم أنه أثار الرأي العام الكردي ضد شخص أردوغان.

جاءت معركة كوباني لتثير الغبار أكثر بوجه أردوغان، فاتهمت تركيا بأنها وجهت التنظيم إلى حرب الأكراد، كما طالب حزب الاتحاد الديمقراطي تركيا بالسلاح لمواجهة التنظيم التي رفضت الأمر رفضًا قاطعًا، وقام أكراد تركيا باحتجاجات كبيرة اتسمت بالعنف أحيانًا خلفت عشرات القتلى للضغط على أردوغان ليفتح الحدود مع كوباني أمام حركة المقاتلين والسلاح، وهو ما رفضه أردوغان بحزم أيضًا، ولكنه انتهى بأن سمح لقوات البرزاني (البيشمركة) الحليف لأردوغان بالدخول لكوباني مع قوات أخرى من الجيش الحر في تشرين الثاني 2014.

مرة أخرى لم تلتف أمريكا للمخاوف التركية وألقت السلاح بالمظلات لوحدات حماية الشعب في كوباني، وزادت من تنسيقها الجوي مع الوحدات، الأمر الذي مكن الأخيرة بعد أربعة أشهر من المعارك من طرد التنظيم خارج مدينة كوباني، وبالمحصلة ظهر هذا الانتصار كأنه انتصار كردي على أردوغان، وهو ما ترجم بعدها بشهور في الانتخابات النيابية (حزيران 2015) حين فقد حزب العدالة والتنمية صوت الأكراد المحافظين لصالح حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، الذي حصل على دعم إعلامي محلي ودولي واستطاع الدخول للبرلمان لأول مرة في تاريخ تركيا الحديث، وليفقد حزب العدالة والتنمية أغلبيته المطلقة في البرلمان وتدخل تركيا في حالة عدم استقرار سياسي سيمتد لشهور على أقل تقدير.

منذ معركة كوباني حقق الأكراد انتصارات كبيرة على تنظيم الدولة، وكللوا هذه الانتصارات بالسيطرة على مدينة تل أبيض في منتصف حزيران 2015، الأمر الذي مكنهم لأول مرة من ربط المناطق الكردية في الجزيرة مع كوباني، والأهم أنهم اكتسبوا شرعية دولية في حرب تنظيم الدولة، الأمر الذي قد يشجعهم على التوجه غربًا هذه المرة لوصل كوباني بعفرين، كون المسافة الواقعة بينهما تقع بالكامل تحت سيطرة تنظيم الدولة.

تضيق الخيارات أمام تركيا، فتشكل هذه التطورات ربما أكبر خطر على الأمن القومي التركي منذ أن طالب الاتحاد السوفيتي، وإذا أضفنا لذلك المخاوف التركية من التمدد الإيراني في المشرق العربي وتلقيها دفعة كبيرة بعد الاتفاق النووي الإيراني، وأزمة اللاجئين السوريين التي أثقلت تركيا داخليًا وماليًا، والتهديد الأمني الناجم عن انتشار تنظيم الدولة على الحدود السورية، كل هذا دفع تركيا للقبول أخيرًا بفتح قواعدها العسكرية أمام قوات التحالف، مع تقارير عن غض الطرف من قبل الولايات المتحدة في حال قامت تركيا بإنشاء منطقة عازلة داخل سوريا.

وبالمجمل تظهر الأحداث حدود قوة الدول بعيدًا عن الشعارات والخطابات والروح القومية، ففي النهاية تركيا ليست قطبًا عالميًا ولا دولة عظمى، ولديها مشاكلها الكبيرة جدًا، ولكنها محكومة بنخب تؤمن بها بروح عظيمة وهو ما نفتقده في بلادنا.

تابعنا على تويتر


Top