الثورة السورية وتحديات الواقع

عبد الرحمن محمد

الثورة فكر وحركة ضد الظلم والاستبداد، ولا يعد ذلك الحراك والفكر ثورة -حسب التعريف السياسي- إلا إذا تجاوزا التغيير الذي ينشد مجرد التغيير السياسي إلى التغيير الشامل لكل نواحي النشاط الإنساني، الثقافي والاجتماعي والاقتصادي.

بينما المطالبة بمجرد التغيير السياسي فيسمى إصلاحًا أو انتفاضة أو انقلابًا. وهذا أمر يجدر بثوار سوريا الوقوف عنده مليًا، إذ لم تقدم الثورة السورية من مطالب سوى: الحرية وإسقاط النظام وفصل السلطات، أو إقامة شرع الله، أو محاسبة المتورطين بالدم السوري! ربما تحدث البعض عن إقامة دولة مدنية لكنه أمر غير متوافق عليه ولا يروق لبعض الأطياف، وتلفه الضبابية، إذ لا يعدو أكثر من عنوان دون مشروع عملي أو منهج أو تفاصيل.

تختلف الثورة عن التمرد، إذ دائمًا ما ينقضي الأخير بسرعة، ولا تماسك فيه ولا نتيجة له، وينطوي على تقديم التنازلات إذ لا يقوم على فكر، أما الثورة فتبدأ بفكرة تدخل في سياق التجربة التاريخية، وتنتقل إلى تكييف العمل وفقًا لتلك الفكرة بهدف تشكيل البلد داخل إطار نظري. المتمرد يقتل الأشخاص بينما يقتل الثائر الأشخاص والمبادئ التي ينضوون تحتها في وقت واحد.

لم تدخل مفردة الثورة بالمعنى الحالي في قاموس المفردات إلا ابتداء من القرن الثامن عشر. وفي العربية كان الاسم الشائع هو الفتنة أو الخروج، والخارجي في العربية القديمة هو الثوري! الأمر الذي يشير دون مواربة إلى انحدار النظام السوري إلى الأصول الرجعية العربية الصدئة، إذ سرعان ما خرجت علينا بثينة شعبان تلقي الكلام على عواهنه، متهمة المتظاهرين السلميين بافتعال فتنة طائفية في الوقت الذي كانت فيه شوارع حمص ودمشق وبانياس ودرعا وغيرهم تغص بحشود المحتجين الرافضين لسياسة وسلوك الأسد ونظامه!

الثورة، إن لم يكن لها برنامج عملي، وأهداف لا تقف عند تغيير النظام، بل تمتد إلى تغيير المجتمع نفسه وفق منهج سياسي وثوري ناضج وعميق ويؤدي المطالب، تبقى ثورة يتيمة كما هو الحال مع الثورة السورية، تستعديها معظم دول العالم، وتحذر الشريحة الكبرى من السوريين القابعين في دمشق، على اعتبارهم الثقل الأكبر، من الانخراط وإزاحة النظام بتكلفة أقل، تخوفًا من القفز في المجهول، لا سيما أن ثورتنا يتجاذبها العبث والفوضى لافتقارها للمبادئ والفكر الثوري، بينما اتخذت الثورة الفرنسية الدموية، والتي لم تكن مثالية قطعًا، مبادئها من أفكار الفلاسفة جان جاك روسو وفولتير ومونتسكيه، ورفعت عبارات الحرية، الإخاء، المساواة، كأيقونة لها، وكان منظّرها ورأسها المفكر سان جيست، وكان قيامها كما لو أنها دين جديد، وكان شعارها: إن صوت الشعب هو صوت الله من الناحية النظرية، وأعلنت سيادة الشعب من الناحية العملية، وكانت مبادئ جيست الثلاثة بمثابة الأصول للدين الجديد: الحق والعدل والعقل.

إن النظر بعين ناقدة (تستطلع الحقيقة) إلى ثورتنا المظلومة يؤكد ما لا نتمنى حدوثه، إلا أن الاعتراف به واجب علينا كسوريين يتطلعون للحرية، تلافيًا للانغماس الكلي بما يؤذينا… نسأل هاهنا، من يفكر وينظر ويقود الثورة السورية؟ في الوقت الحاضر الأفاضل من رجال الدين يتولون هذه المهمة، وهذا أخطر أمر في المسألة السورية، إذ إن الثورة مسألة وطنية وصراع حقوقي لا يقوم على الإرشاد الروحي ولا أنكر أنه جزءً مهم، بل على العكس يقوض التحزب الديني كل تضحيات الثورة السورية وكل ما قامت لأجله لعدم توافر التجانس الديني في سوريا التي تتكون من طوائف وانتماءات ليست بقليلة العدد، الأمر الذي دفع باقي الطوائف والتشكيلات إلى التمترس السلبي في مناطق سيطرة النظام.

ومن المعلوم أن هذا النظام لم يميز في اضطهاد السوريين لا سيما الأقليات التي تتمتع بالخصوصية التي لا تنسجم مع دستور حزب البعث، ومع ذلك آثرت اجتناب مواكبة الثورة التي ركبت الموجة الدينية كونها تيارًا أحادي المنظور من الناحية السياسية، وهذا يتعارض في الحقيقة مع موجبات الثورة السورية كالتصدي للحزب الواحد.

لا أنكر وجود بعض الثوار من مختلف شرائح النسيج السوري، لكنهم لا يشكلون حالة عامة أو قوة دافعة إلى الأمام إلى جانب أخوانهم، وهذا من مكامن الضعف في سيرورة الثورة السورية، وقد أدى استنزافها على مدى نصف عقد وسيطيل عليها الزمان ويغذي النزعات الانفصالية التي من شأنها القضاء على مفهوم الوطن (خذ لبنان كمثال).

وثمة سؤال آخر -لا جواب واضح ومحدد له- يطرأ على البال في خضم هذا العرض، ما هو مشروع الثورة السورية؟ أهو القتال حتى يسقط النظام! أهذا كل ما في الأمر! حتما قتال الأسد واجب على كل سوري قادر على حمل السلاح، لكنه لا يقوم وحده كحامل وضامن عملي للثورة، أي لن يتوحد الثوار وتأخذ رقعة قاعدتهم الشعبية بالاتساع دون مشروع سياسي اقتصادي ثقافي واجتماعي واضح المعالم ومتكامل ينص على المبادئ التي تؤدي فعليا إلى المطالب المحقة للثورة، يعمل على جذب كافة السوريين إليه باستثناء الفئة المستفيدة من النظام التي ستتقلص بسرعة في حال إيجاد مشروع . إذ لا يجوز لنا الأخذ على الفئة المدعوة بالرمادية عدم الانضمام إلى صفوف الثورة طالما لم نقدم لهم ميثاقًا يضمن الشرعية الثورية، لا سيما أن الائتلاف والمجلس والتكتلات الأخرى لا يعول عليها كونها غير شرعية لم تفرزها الثورة كمكتسب نضالي، بل عينوا وفقًا للمصالح السياسية الدولية والإقليمية التي ما انفكت تشوش على الثورة السورية، بينما تفرز الثورات عادة قياداتها وفكرها الثوري من صميم تاريخها النضالي من الداخل الثائر. بل حتى تجارب الداخل التي نعتز بها كإعلان ربيع دمشق تفرق أعضاؤها وتوزعوا على الهيئات والكتل السياسية غير الشرعية وغير المتصلة أو الممثلة للثورة بشكل مباشر، وتفتقد للمباشرة الواقعية، ولا تباده واقع الثورة السورية.

في سوريا كانت الثورة ضد الظلم الاجتماعي، وعدم والمساواة، وإلغاء الحريات، والاستبداد، وحكم الفرد والحزب الواحد الذي يستقل بالسلطة ويحتكرها ويمنع بالقوانين التي يسنها على هواه تداول السلطة ولا عجب طالما هو الضمان الوحيد للديمقراطية، وضد تزييف الديمقراطية. وفي السنوات الأخيرة تنامت الثورات مع حكم الأغنياء، وسيطرتهم على المجالس التشريعية بغرض خصخصة الصناعة والتجارة والتعليم، وتقليص دور الحكومة، وانفراد الملاك بالثروة، واستعباد الطبقة المتوسطة.

ما هو الدور الذي تلعبه الثورة للتصدي لهذه القضايا، إذ لا يجوز أن يزول النظام ونحن لا نزال مدجنين على توليفته، الأمر الذي من شأنه إقحام الجهاز الإداري والسياسي والأمني التابع للنظام في تشكيلات الدولة الجديدة في مرحلة مابعد الثورة، الذين سيقطفون ثمرتها وحدهم إذا لم نتهيأ منهجيًا.

يجب أن نقبل بالنقد الذاتي ونعمل بانسجام معه كي نقوّم ثورتنا ولا نضطر في المستقبل إلى رفع الثمن والتكلفة باستحداث ثورة على الثورة.

تابعنا على تويتر


Top