ومضات قيادية من السيرة – الإيجابية في المحنة

343.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 36 – الأحد – 28-10-2012

قد يصل المجتمع أحيانًا إلى حالة من التذمر واليأس تحت وطأة التضييق والتنكيل والعذاب -المادي والنفسي- فتزيغ الأبصار عن الهدف الجماعي الذي يسعى المجتمع لتحقيقه في حراكه الثوري، لإنشغال الناس بلثم جراحاتها ومعالجة آلامها، ولكن البشر يختلفون في قدرتهم على تحمل تلك الضغوط، فبينما يصر بلال الحبشي على كلمة «أحدٌ أحد» مغيظًا بثباته المشركين، نجد أن عمار بن ياسر يصل به العذاب إلى حد سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهة المشركين بخير، كي يتركوه.

يأتي دور أصحاب الثبات والأيمان ممن تبقى الرؤية واضحة أمامهم في إعادة ضبط البوصلة الجمعية للحراك، ورفع الروح المعنوية للجماعة، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر على آل ياسر وهم يقلبون على الرمضاء في حر الظهيرة مناديًا (صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة)، لتكون سمية بنت خياط زوجة ياسر أول شهيدة في الإسلام. وتشتد الأزمة بياسر حتى يأتي النبي فيقول له: يا رسول الله الدهر هكذا؟ فيقول الرسول: اصبر، ثم يقول: اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت.

يزداد ضغط المشركين وتسلطهم على المسلمين، فيأتي الخباب بن الأرت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيقول له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا، فقعد رسول الله وهو محمرّ وجهه، فقال (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه… ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب، وما يصده عن دينه. والله ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). لم يكن غضب رسول الله لسؤال الخباب له الدعاء، بل لما وراء هذا الطلب من قلوب تلتمس الفرج العاجل، وتستبطئ النصر، يكاد أن يدخل أبوابها اليأس، فأراد أن يثبت في قلب الخباب أن سنة الله مرهونة بالوقت، ولها أسبابها وإرهاصاتها من صنوف الإبتلاء التي تسبق أي رسالة حتى تصل إلى التمكين.

وهناك العديد من القصص التي لا يتسع المكان لذكرها تدل على دور الرسول في خلق الأمل عند المحن.

ويمكن القول بأن المنهج التربوي للرسول القائد صلى الله عليه وسلم في وقت المحنة يتمثل في:

1- عرض سنن الله في المحن والابتلاء والتمكين، والتأسي بالسابقين من الرسل والأنبياء وأتباعهم في تحمل الأذى.

2- التذكير بما أعده الله من جزاء للصابرين في الآخرة من جنة ونعيم، وأن مصير هذه القوة التي يملكها المشركون اليوم إلى زوال ما دام استخدامها ضد الحق.

3- رسم صورة المستقبل المشرق بعد التمكين الذي وعد الله به رسله، بحيث تبقى أعين المجتمع على الهدف والرؤية المرسومة للجماعة.

كل ذلك بالطبع كان بجانب تخطيط واستفادة من الظروف المادية لمحاولة التخفيف ورفع الأذى والظلم عن أتباعه، وكفّ المشركين عن فتنتهم ما استطاع.

دورنا اليوم في الثورة السورية العمل على تطبيق المنهج السابق، بل وإضافة أفكار جديدة عليه قدر المستطاع مع حُسن التخطيط والرؤية الواضحة، فأحيانًا نجد حالة من التململ واليأس لدى بعض الناس لأسباب مختلفة (قصف، تعذيب في أحد الحواجز أو المعتقلات، إنخفاض الدخل المادي بسبب فتور العمل أو توقفه، طول المدة الزمنية للثورة … وغيرها).

من الأفكار التي يمكن العمل عليها:

– منشورات تتناسب مع مستوى الوعي العام، تدعو الناس إلى الصبر، عرض قصص مختصرة قدر المستطاع عن سنن التمكين، وعواقب الصبر وقت المحنة.

– تدعيم تلك المنشورات بأنشطة سلمية موجهة للمجتمع لما لها من أثر مريح على النفس يجدد الروح المعنوية لدى الناس (كالغرافيتي، بوالين الحرية، إرفاق المنشورات السابقة مع ورورد وتوزيعها، إعتماد على طابات البينغ – بونغ لتوصيل الرسائل .. إلخ)

– المدونون، وأصحاب الصفحات على شبكات التواصل الإجتماعي، عليهم خلق حالة من الإيجابية عبر كتاباتهم.

– العناية بأبناء الشهداء والمعتقلين وأسرهم، والاهتمام بالجرحى وإقناع الناس بأن ذلك واجب اجتماعي مفروض على الجميع.

– الدعم المعنوي والمادي لأفراد الجيش الحر وتخفيف ما قد يعانونه من جهد ونقص في الحاجات، وتشكيل حاضنة شعبية له.

يقول نابليون «القائد هو تاجر الأمل».. سوريا اليوم بحاجة لقادة من الشباب ليسوا تجار أمل فقط، بل صانعون له أيضًا، يخلقون مجتمعًا ملؤه التفاؤل والإيجابية من دماء الشهداء وآلام الجرحى وركام الدمار. يعيدون لشعلة الثورة جذوتها كلما سعى اليأس والإحباط والتعب لإخمادها في نفوس الناس.


تابعنا على تويتر


Top