بيان التعزية.. في عجالة

صلاح الملّوحي

لخطأ حركة أحرار الشام بالتعزية في وفاة الملا عمر (في بيان رسمي بتاريخ 1 آب) جانبٌ آخر يتجاوز جانب التهور وارتجالية الانفعال بروحانية الموت والتأثر بجناح الأممين بالحركة، إلى ماهو أنفذ عمقًا وألصق بالبنية الفكرية وأخطر مما يبدو للوهلة الأولى: وهو قلة حساسية السلفية الجهادية (حتى المحلية غير المعولمة منها) لآلام الشعوب في مقابل تقديم الأيديولوجيا على أي اعتبار آخر.

ذلك أنه ليس بوسع إلا مكابر إنكار مساهمة بيان التعزية في تطويل معاناتنا وتأخير خلاصنا، فالتناقض صارخ بين مكاتبة الغارديان والواشنطن بوست وعرض التخلي عن الطاغية واعتمادنا عوضًا عنه واستعجال التاو والتذخير الثقيل من جهة، وبين التعزية بالملا والترفع عن تعزية مثيلة بحق الداعم المتحمس سعود الفيصل من جهة ثانية (كما قال ببلاغة أحد الأصدقاء).

فلئن قيل: كيف يكون ذلك وهي تتقدم الصفوف وتنكل بالطاغية وجنده!؟

يكون الرد: إن هذه الحماسة عائدة في جزء كبير منها إلى النشوة والأمل بقرب تحقيق يوتوبيا الدولة الحلم، أكثر من كونها ناجمة عن رغبة عميقة بتحرير المظلومين من الاستبداد وإفساح المجال أمامهم لاختيار نمط الحكم المستقبلي بكل حرية.

فلا قيمة في فكر السلفية الجهادية لدولة العدل مالم تكتسِ بحلة الشريعة وعلى الفور، والدليل تأرجح القوم بين الإشارات الإيجابية (مقالي لبيب) الدافعة نحوها، والإشارات السلبية (بيان التعزية) التي يعرفون قدرتها على العرقلة.

هذه الإشارات السلبية التي يصرون على ارتكاس العودة لها بعد كل تقدم تشير إلى حالة الزهد عند السلفية الجهادية بدولة الحبشة (دولة الحريات) كما قال أحدهم برمزية معبرة، وإلى عدم إيلائها المكانة اللائقة بها في أدبياتهم بل وتسخيفها، رغم أن بعضنا ولأجل الوصول لها ابتلعته أسماكُ القرش.

وإذا ماذهبنا أبعد فأبعد، سنصل إلى طرف خيط يوصلنا إلى ما أرجح أنه جذر الإشكال وهو التصور الاعتقادي الذاهب إلى التسخيف والتقليل الجائر والمطلق من قيمة الإنجاز المادي الغربي عمومًا والبنى والرؤى الفكرية التي تقف خلفه خصوصًا، فلا الديموقراطية قيمة عليا تستحق البذل ولا التداول مكسب عزيز أوجد حلًا لأزمة الشرعية السياسية ولا الحريات غاية سامية تقدم لأجلها التنازلات، بل حتى الحياة وحفظ النفس كمقصد وهدف يؤخَران لصالح أولوية دولة الشريعة وفوريّة التمكين لها.

تابعنا على تويتر


Top