نظام الأسد ونظرية تضخم الشباب

بيلسان عمر

اعتبر توماس مالتوس أن الزيادة السكانية المستمرة لا يوقفها إلا الحروب، أو المرض، أو المجاعات، إذ ركز في نظريته على التفاوت الكبير بين التضخم السكاني الذي يشهده العالم، وبين الموارد الطبيعية المتاحة، لتغيب الإنسانية في حلها المقترح المزعوم.

نظرية تضخم الشباب

وليت الأمر توقف عند أفكار مالتوس، فقد جاء ثلة من بعده، (الفرنسي غاستون بوثول، والأمريكيان جولدستون، وغاري فولر، والألماني غونار هينسبون)، وقاموا بتمحيص الهرم السكاني، ودراسة فئاته العمرية، ومن ثم إجبار الإنسانية على دفع ضريبة جهدهم هذا، بنشرهم لأفكارهم الصادمة، إذ تم تعيين غولدستون وفولر كمستشارين للحكومة الأمريكية، للتحكم باستراتيجيتها العسكرية وفقًا لهذه النظرية.

ركزت هذه النظرية على التفاوت بين عدد الذكور، وتقسيم العمل وفقًا للنظام الاجتماعي القائم، مؤديًا ذلك إلى تضخم عدد الشباب، دون وجود فرص عمل سلمية بعيدة عن العنف، إذ يعيش الشباب حالة من الغضب والضغط النفسي والاجتماعي –كما يعتقد أصحاب هذه النظرية- فيضطرون للتنفيس عن أنفسهم باللجوء إلى الجريمة والعنف، أو الهجرة، أو التمرد والعصيان، وكذلك الحروب الأهلية والثورات، مع الاستعانة بالإبادة الجماعية لتحقيق هذه المآرب.

أمثلة من التاريخ:

عزا العديد من المحللين السياسين، وكذا الاقتصاديين، مجموعة من الحركات التي شهدها التاريخ إلى تضخم عدد الشباب، كما حركات التمرد في أوروبا، وارتفاع معدل النازية في ألمانيا نتيجة الكساد الاقتصادي، والإبادة الجماعية في راوندا في تسعينيات القرن الماضي.

والموخز لإنسانيتنا أن صنّاع القرار إثر كل حركة يجنّدون علماء وأخصائيين، ويفتتحون مراكز بأموال طائلة لتحليل ما حصل، ولطرح حلول للأزمات، ليعيد التاريخ نفسه، دونما تنفيذ لتلكم الحلول الموصى بها، ولا إتيان بأدنى مقومات الحياة لأولئك الذين غدوا أعدادًا متضخمين بنظرهم، ليس إلّا.

هرم السكان هل سيتحول إلى مستطيل في سوريا:

لاقى التوزع الديمغرافي للسكان في البلاد اهتمامًا من قبل علماء السياسة والاقتصاد، لتحديد العلاقة بين الموارد الطبيعية، والإنتاج، وعدد السكان، وأجريت العديد من الإحصاءات ، وصولًا لمعدلات الولادات والوفيات، ومعدل الإعالة، ونسب الذكور والإناث، إذ وصلت نسبة الذكور إلى 49% في عام 2010، لتؤكد جميعها أن الشعب السوري فتي، وقوته تكمن بطاقة شبابه.

والآن نجد أن رحى الحرب تطحن هذه الفئة بشكل كبير، وتبعدها عن الساحة بين قتل واعتقال وتهجير، فهل تراه سيتحول هرم السكان في سوريا إلى مستطيل يمثل نسبة الإناث فقط، وبما لا يزيد عن نقطة على هذا المستطيل للذكور؟ وهل ستصبح سوريا كوكب زمردة –كما يكتب بعض الساخرين-؟

نظام الأسد يسبق مخترعي نظرية تضخم الشباب:

يدرك نظام الأسد كغيره من الأنظمة القمعية، أن الحل الأمثل لبقائه في السلطة هو إقصاء الشباب، الشباب الفتي المتمسك بكرامته ومبادئه، وبأخلاق ثورة لجأ إليها مطالبًا بحقوقه من قيادته الحكيمة، التي أفنت الحجر والبشر، تمسكًا بحقوقها هي لا حقوقهم.

ولكن ما يستعصي على مؤيدي الأسد إدراكه بأنه قائدهم المفدّى قد سبق مخترعي نظرية تضخم الشباب، فهاهو يعتبر أن شباب بلاده قد غرر بهم، واستكانوا للمؤامرة التي تعصف ببلادهم، وهو حريص كل الحرص على عدم إفساد شعبه وبلاده –إلا عن طريقه هو-، وقد لجأ إلى أبشع أنواع الإرهاب بحق الآخر، وهو كيل الاتهامات عليه، وتشويه صورته أمام الآخرين، فهو من أول لحظة يظهر الثوار ومعارضيه على أنهم مسلحون، يحق هدر دمهم، واستباحة أموالهم وممتلكاتهم ومناطقهم، ولا يجد خيارًا لإبعادهم إلا القتل والاعتقال والإخفاء القسري والتهجير، مرورًا بتعميم أسمائهم على الحواجز الأمنية، ، وتجريدهم من حقوقهم المدنية.

والأبشع من ذلك تغييبه حتى لمؤيديه، بإشغالهم بلقمة عيشهم مرة، وبنشر الرعب في صفوفهم على أنهم مستهدفون من قبل المعارضين مرة أخرى، أو رمي عظمة بلا لحم يشتغلون بشمها بحجة مشاركتهم تخليص البلاد مما يعصف بها بأبخس الأعمال، وأقلها نتيجة، تلك التي تستهلك الجهد والوقت، وتعطي نتائج مخدرة للأزمة لا أكثر.

ويبقى إقصاء الآخر، وتوجيه أصابع الاتهام له، واللجوء إلى إخفائه قسريًا، أو توريطه بما لم يقل ولم يفعل، أو اعتقاله، أو تهجيره، دون التواني عن قتله، الحلول التي يلجأ إليها مستبدو العالم ومن شابههم.

تابعنا على تويتر


Top