هل معجزة القرن العشرين قابلة للتطبيق في سوريا؟

نموذج هيروشيما… انتعاش ما بعد الأزمة

_2.jpg

أسيمة صالح

العام 1945، السادس من آب، الثامنة إلا عشر دقائق. آخر قطار يغادر نحو ناكازاكي؛ يستقله الركاب دون أن يخطر ببالهم أنهم بعد قليل سيصبحون الناجين من قنبلة ذرية ستسقط هناك. ينظرون وراءهم نظرة عابرة غير مدركين أنها النظرة الأخيرة إلى هيروشيما.. كل شيء سيتغير بعدها.

أودى “الولد الصغير” -كما أطلق الأمريكيون على القنبلة بقصد الاستهزاء- بحياة 70 ألف ياباني على الفور، وتضاعف العدد بنهاية العام ذاته. إذ صممت القنبلة لتنفجر على ارتفاع 580 مترًا لئلا يمتص الغلاف الأرضي من طاقتها التدميرية، وفعلًا كان ذلك؛ وروى الناجون كيف أذاق الانفجار من لم يمت على الفور آلامًا هائلة إلى أن تداركهم الموت برحمته. ويطول الحديث عن الجانب الإنساني المروع الذي شهدته المنطقة، لكن ليس هذا مدار الحديث.

في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي، هددت تبعات الحرب العالمية الثانية بدمار الاقتصاد كليًا في اليابان، لتفاقم التضخم الاقتصادي والبطالة والعجز في جميع المجالات؛ لكن سياسة اقتصادية متكاملة ومنظمة أنقذت الموقف، ونقلت اقتصاد البلاد من مرحلة الخطر إلى مرحلة التعافي، ولاحقًا الازدهار.

المصالح الأمريكية آنذاك كانت وقْف التقدم السوفيتي، وبالتالي وقف تدهور الوضع المعيشي لليابانيين يصب في ذلك، إذ يحول دون تحولهم إلى الشيوعية ويعطل نفوذ السوفييت على المحيط الهادي؛ من هنا جاءت المساهمات الأمريكية التي أعطت دفعة كبيرة للاقتصاد آنذاك، ولكنها لم تكن العامل الوحيد في تعافيه.

أبرز سمات “المعجزة الاقتصادية” كان هيكلية كيرستو أو مجموعات الأعمال، وهي صيغة تعاون بين المصنعين والموردين والموزعين والبنوك، التي ركزت على التخطيط طويل المدى وتعزيز أسهمها في السوق، بدل التركيز على الأرباح قصيرة المدى، ما حصنها ضد تذبذبات السوق. ونسّقت “كيرستو” استثماراتها مع وزارة الصناعة والتجارة الدولية من خلال “التوضيع المشترك للأسهم” لحمايتها من النفوذ الأجنبي، والدفع بالصناعات الاستراتيجية.

وأسهم نظام القروض المصرفية في توفير سيولة لازمة لتكتلات الشركات الوطنية لامتلاك أسهم في الشركات الأجنبية، ما حال دون تملك الأخيرة في الصناعات الاستراتيجية ومد نفوذها على الاقتصاد المحلي. وصدرت تلك القروض عبر بنك اليابان المركزي إلى بنوك محلية، ومنها إلى الشركات، ما منح المركزي سلطة فوق البنوك المحلية المستقلة.

دور الحكومة برز بدفع النمو الاقتصادي بعد الحرب في القطاع الخاص، عبر سن قوانين وتشريعات الحماية التي أدارت الأزمات الاقتصادية بفعالية، ومن ثم التركيز على التوسع التجاري، وبرز أيضًا في سن تشريعات تحول دون إغراق السوق بالمنتجات الأجنبية.

وبعد مرحلة التعافي تلك، أخذ الاقتصاد بالنمو إلى أن وصل مرحلة “الرواج” في ستينيات القرن الماضي، وقدر إجمالي الناتج المحلي في اليابان عام 1965 بأكثر من 91 مليار دولار أمريكي، أي بعد 20 عامًا، في نقلة تعد “معجزة” مقارنة بهول ما دمرته القنبلة الذرية.

الخلاصة لا تكمن في تبجيل “المعجزة”، بقدر ما تكمن في استخلاص العبرة منها، فإنها، وببساطة، تكمن في سياسة متكاملة تنظّم جهود الأفراد المنتجين بما يتلاءم مع مصلحة الجميع. والسؤال، هل نموذج معجزة القرن العشرين قابل للتطبيق في سوريا؟

لا شك أن سوريا لا تفتقر إلى جيل منتج فتي، أثبت على مدى قرابة 5 سنوات قدرته على التأقلم مع التغييرات وقسوة الظروف في كل مرحلة، وحنكته في تجاوز العقبات، إضافة للخبرة التي اكتسبها في “شتاته” في مجالات مختلفة عرّفته العالم من أكثر من زاوية؛ ولا تفتقر كذلك إلى عقول مدبرة قادرة على رسم سياسات اقتصادية تضمن مصلحة مستدامة للجميع؛ وفي سيناريو “هيروشيما” تتفوق سوريا بميزة مواردها الطبيعية. أما المساهمات الخارجية، فوسط كم التجاذبات في النزاع في سوريا، لا بد وأن تتقاطع –ولو مرحليًا- مصالح كبريات الاقتصاد إقليميًا أو عالميًا، ويبقى حسن استغلالها مرهونًا بحسن تدبير مالكي القرار، ومدى إسهام مغتربي سوريا في إعادة إعمارها؛ فهنا يكمن التحدي، تأمين تمويل غير مشروط لعملية إعادة البناء.

الإجابة على السؤال السابق باتت واضحة، ونترك البحث في تساؤل آخر: كيف نكون معجزة القرن الحادي والعشرين؟

تابعنا على تويتر


Top