ومضات قيادية من السيرة

32.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 37 – الاحد – 4-11-2012

المبادرة بين الفكرة والعمل

نشأ الرسول الإنسان محمد صلى الله عليه وسلم على المبادرة منذ صباه، لتبدأ نشأته برعايته الغنم لأهل مكة، وليشارك بعدها في القوافل التجارية لقريش، ومساعدة قومه في بناء الكعبة، وها هو يتبنى علي بن أبي طالب تخفيفًا عن عمه، كما وتُذكر مشاركته في حلف الفضول، وغيرها من قصص السيرة التي تدل على فاعلية الرسول في مجتمعه قبل نزول الوحي.

يأتي الوحي ناقلًا تفاعل الرسول عليه الصلاة والسلام من قوله «زملوني زملوني» إلى الأمر الرباني {قم فأنذر} لتكون نقلة للبشرية جمعاء، فلو لم يبادر الرسول بالدعوة لما نال البشر شرف السماع بالرسالة، فيأتي المنهج القرآني لإعداد الإنسان القائد بادئًا رسائله بصيغة فعل الأمر، تحث الإنسان على المبادرة للتحرك وعدم التردد فتأتي {إقرأ} أول ما ينزل من القرآن، تحث الإنسان على التفكر قبل الإتيان بأي فعل، لينزل بعدها {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّر، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} داعيةً الرسول ومن بعده المسلمين إلى أخذ زمام المبادرة بالدعوة، وإحقاق كلمة الحق مع أخذ الأسباب المادية والمعنوية، مع التوكل على الله، ليخرج صلى الله عليه وسلم إلى جبل الصفا مبلغًا قومه بعد أن تهيأت الظروف نزولاً لأمر الآية {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} فتكون كلمة أبي لهب رداً على دعوة الرسول «تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟» رمزًا لما تواجهه مبادرات الفرد من رفض ومقاومة وحسد في المجتمع.

تبدأ الحرب النفسية عبر وسائل إعلام المشركين على الرسول /شاعر، مجنون، كاهن ../، وتبدأ حملات التعذيب الجسدي للصحابة والرسول، فهل ردعه ذلك؟ كان لا يُلقي بالاً لذلك، بل كان همه البحث في كيفية تطوير عمله الموكل إليه، فيدرس طبائع القبائل الأخرى ويضع خطته للدعوة حسب الجدول الزمني لقدومها إلى مكة، وينظّم عمله بما يجعله أكثر فاعلية، فيبادر لدعوتهم فيستجيب بعض كبار القبائل له، ليكون سر نجاحه مواجهة كلام الأعداء والحاسدين بالعمل الجاد.

لماذا التردد؟ فقد يجد في الطائف أرضًا جديدةً أكثر قبولًا لدعوته، فيدرس طبيعتها ومركز القوة فيها ليوجه الدعوة إليهم، وبعد أن أخذ بالأسباب وأعد العدة، يهمّ بالخروج إليها سراً، واضعاً أمام عينيه أن الخيرة فيما أختاره الله، فإما قبولاً للدعوة، أو تجربة تستحق المحاولة، ليلقى ما لاقاه من الرفض والإعتداء من القوم هناك، فلا يترك ذلك حقدًا في نفسه بل يرفض عرض ملك الجبال بإطباق الجبلين عليهم، أملًا بأن يخرج من أصلابهم جيل مؤمن.

تبدأ معالم المنظمة (بمعناها الأوسع – الأمة) بالبروز في المدينة ولا بد لتسيير تلك المنظمة من سياسات ترسم خطوط الواجبات والحقوق التي ستسير عليها نحو هدفها، فيبادر في وضع (الوثيقة أو الصحيفة) وهي ما يسمى حديثًا (الدستور) الذي هو من أهم دعائم المنظمة أو المؤسسة مهما كبرت أو صغرت.

تجتمع جيوش الأحزاب متوجهة إلى المدينة لاستئصال المسلمين من أرضهم، فيقترح سلمان الفارسي فكرة الخندق، لتبدأ جلسة دراسة المقترح وإمكانية تطبيقه، ليبادر الرسول بتنفيذ الفكرة «الجديدة»، فيقسم المسلمين إلى فرق عمل حدد لكل منها إختصاصها، كما شاركهم في عملهم، ليكون الخندق مفاجأة صادمة للجيش المتوجه إلى المدينة ليقف أمامه عاجزًا حتى جاء نصر الله بجنده {ريحًا وجنودًا لم تروها} (الأحزاب – 9).

يظهر دور القائد المبادر في كسر تردد الجماعة في قصة التحلل من العمرة بعد صلح الحديبية، فدعا الرسول أصحابه لنحر هديهم والحلق وكرر دعوته لهم ثلاثًا، فلم يستجيبوا، فيدخل على أم سلمة يقص عليها ما حدث، فتشير عليه بالخروج عليهم دون أن يكلمهم فيبادر هو بالنحر والحلق، فينفذ مشورتها ويسارع الصحابة للاقتداء به والنحر والحلق حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً من التزاحم.

يمكن عرض بعض نقاط منهاج المبادرة عند الرسول القائد فيما يلي:

– النية الخالصة لله تعالى، فلا يأتي بأمر أو يهم بفعل إلا وضع رضى الله والتعفف عن المكاسب الشخصية نصب عينيه، فقد رفض كل إغراءات قريش لتحييده عن سعيه في نشر الدعوة.

– التوفيق من عند الله، فإن نجح في سعيه كان لخير اختاره الله فيما عزم عليه، وإن لم ينجح فذلك لحكمة أرادها الله في صرفه لما هو خير مما عزم عليه، ولكن يبقى له شرف المبادرة فلا يتردد ولا يتوانى.

– تبني الأفكار الجديدة وتطوير أساليب العمل لكسر حاجز الجمود الفكري والعملي في المجتمع (أو المنظمة) بعد الدراسة والتخطيط وتقدير مدى ملاءمتها للظروف.

– العمل منهج تربية أبلغ من القول، فكان من أساليب الرسول في الدعوة توجيه رسائل للصحابة عبر الأفعال التي يرغب منهم تطبيقها، فتكون أسرع وصولًا وقبولًا لأذهانهم.

– لا تستمع لقول المثبطين أو المخونين ولا تلقِ بالًا للشائعات التي يبثها عنك الأعداء والحُسّاد، فالكلام يبقى في إطار الكلام، وفعلك يثبت حقيقته، وتقييمك لا يأتي من البشر ما دام عملك لله.

– الشجاعة والإستعداد لتحمل مسؤولية تبعات الأعمال.

يقول ستيفن آر كوفي «نسبة الإختلاف في الفاعلية بين الناس الذين يأخذون بزمام المبادرة وأولئك الذين لا يحركون ساكنًا قد تفوق 5000% – خاصة إذا كانوا يتحلّون بالذكاء والوعي والإحساس بالآخرين». اليوم ومستقبلًا نحتاج إلى شباب لا تعيقهم حدود موهومة في تحويل أفكارهم إلى واقع لننتقل بأهدافنا من مرحلة الشعارات إلى مرحلة التطبيق الذي يهدف إلى إعادة بناء الوطن حجرًا وبشرًا وبما يُرضي الله تعالى.


تابعنا على تويتر


Top