بيت أم سكن؟!

30.jpg

حنين – دوما

من يتأمل في عظيم دروس الثورة وجميل ما تعلمناه فيها، يدرك تمامًا أنها ثورة نفسية قبل كل شيء.. يدرك أن ما فعلته فينا من تغييرات وثورات أعظم أثرًا على النفوس من سنين في التربية والإرشاد والتوجيه… التكيف مع شتى أنواع البيئات؛ اعتياد ظروف أصعب مما نعايشه عادة، الصبر على لحظات لم نتوقع أن نمر بها يوما؛ بل أن نصبر عليها إذا ما تعرضنا لها.. الفراق والفقد، التشتت، القلة، العجز عن تأمين أبسط المستلزمات والاستعاضة عنها بحلول بسيطة…

الثورة كانت في هذا المجال – الأخير تحديدًا- أمُّ الاختراع بكل جدارة..

أن تصبر على واقع جديد وتتكيف معه فهذا أمر رائع؛ لكن ما يفوقه روعة وإيجابية هو مقدرتك على تكييف هذا الواقع الجديد ليتناسب مع مصلحتك، بشكل يتيح لك إتمام حياتك بأقل قدر من الخسارة النفسية فيه..

ربما سيكون خروجك الأول من منزلك كانتزاع الروح من الجسد إيلامًا وأثرًا..

ربما ستمضي أيامك حسرة وحنينًا واستذكارًا لأبسط ذكرياتك فيه..

وربما ستعطل نفسيتك هذه لأيام عديدة كان الأجدى لو استثمرتها..

حسنٌ هذا حال النزوح الأول، فماذا لو تكرر؟

لعل تكرار التجربة لمرات عديدة وتحت ظروف أشد سيتيح لك -كما أتاح لي- التفكير بمنطقية وعمق في جدوى التأسف والتعلق العاطفي والتحسر الذي لن نجني منه سوى المزيد من الخسارة في العمر والوقت، على أطلال منزل بِتَّ بعيدًا عنه شئت أم أبيت!

إحدى القناعات المهمة التي توصلت لها بعد طول تفكير وتكرار للتجربة؛ هي أن بيتي هو المكان الذي أستطيع الاستمرار فيه بحياتي وإنجازاتي.. أتابع فيه أعمالي ونشاطاتي.. أيًا كان مكانه!

لعله تحايل عقلي على حالة من التنقل وعدم الاستقرار.. ربما!

لكن تذمرنا وشكوانا الدائمين، جو السخط والعصبية المستمرة.. لن يجدي ذلك كله شيئًا!

طالما أنه ليس بامكاني الآن إلا أن أكون هنا، فلأتواجد هنا حقًا وبكليتي، بتفكيري وعملي واستقراري النفسي – ما أمكن- ولننظر حولنا بحثًا عن أمور نحبها وتجعل المكان أكثر إلفة إلى نفوسنا.. أكثر حميمية وقربًا..

ولن يُشعرك بالاستقرار النفسي شيء مثل احتفاظك بمساحة من الخصوصية أينما ارتحلت..

تلك الخصوصية التي يضمنها لك منزلك هي في الحقيقة ما تفتقده

وهي ما يجب أن تسعى لإيجاده لتستقر نفسيًا وترتاح..

المهمة ليست صعبة، حتى لو كنت تشارك عددًا كبيرًا من الناس سُكنى غرفة واحدة! بإمكانك صنع مساحة خاصة لك بأشياء بسيطة تتيح لك القيام بالحد الأدنى مما اعتدت عليه في بيتك،

الإنجاز والقراءة – احتفظ دومًا بمؤونة ثقافية كافية لسد رمق روحك وعقلك لفترة جيدة، تأمين وسيلة اتصال بالانترنت – إن أمكن- لتحافظ على الحد الأدنى من التصفح والتواصل والانجاز..

اصطحاب أشياء لها علاقة بهواية تحبها – قلم ودفتر، مصباح صغير للقراءة الليلية، عدة رسم، كاميرا، – اصطحب ما يلزمك لممارسة هواياتك والتمرس عليها أينما كنت..

هي أفكار بسيطة جدًا؟

أجل؛ لكنها ستعمق إحساسك بأن الحياة مستمرة في كل مكان، بأن لك زاوية خاصة – صغيرة؟ ربما- ولكنها كافية لتتابع حياتك بحب دون الكثير من التذمر والشكوى، ستشعرك حقيبتك الصغيرة وأشياؤك القليلة تلك بأن البيت هو مفهوم أوسع من جدران أو سقف يلمّنا، هو سَكَنٌ نفسي أولًا…

وبأن لديك «سكنًا» تصحبه.. حيث حللت!


تابعنا على تويتر


Top