كتاب الدولة

ملاذ الزعبي

بدلًا من حصة الموسيقى التافهة بالصف الأول الإعدادي، زُربنا ذات ظهيرة في باحة المدرسة بشكل فجائي ومن ثم تمّ سوقنا كقطيع جواميس مروّضة للمشاركة في احتفال افتتاح أحد معارض الكتاب في المركز الثقافي بمدينة درعا، بحضور مباشر من السيد أمين فرع حزب البعث العربي الاشتراكي، وبرعاية كريمة من راعي القراءة والقرّاء-القارئ الأول السيد الرئيس حافظ الأسد.

حضر السيد أمين الفرع مسرعًا، وبإشارة سحرية من السيد مدير المدرسة هتفنا بحماس شديد لقائدنا إلى الأبد سيدنا محمد، واكتشفنا أن لدينا أصواتًا قبل أكثر من 15 عامًا على اندلاع الثورة السورية واكتشاف الكثير من الناشطين والناشطات تحديدًا أن لديهم أصوات. التقط مندوب سانا في مدينة درعا صورة للسيد أمين الفرع وهو يقوم بقص شريط المعرض ثم عاد السيد الأمين أدراجه بمجرد وميض الكاميرا، فتبرعت شخصيًا للقيام بجولة في أروقة المعرض نيابة عنه، يرافقني أحد الزملاء.

كانت كتب وزارة الثقافة السورية التي يعود بعضها لعقود خلت مكدسة فوق بعضها البعض، فيما الموظفات والموظفون ذوي التعابير الفاتحة للشهية يتناقشون بحماس حول فوات زمن نظرية الاستشراق وتجاوزها من قبل بعض الكُتّاب البوست-كولونياليين الأحدث زمنًا، أو يتجادلون إن كان لكتابات فرانز فانون أي أساس علمي منهجي.

استغل صديقي هذا الانشغال ليدس كتابًا من القطع الصغير تحت بدلة الفتوة الخضراء، بينما لازمني صمت الدهشة المصحوب بإعجاب خفي بجرأته.

ما إن أنهينا جولتنا وابتعدنا قليلًا عن أجواء المعرض، حتى كاشفت زميلي برأيي في أن ما اقترفه إنما هو سرقة بواح. فأجابني بعبارة مختصرة مشيرًا إلى المبدأ الفقهي الذي أجمع عليه علماء الأمة ودرجت عليه أعرافنا وتقاليدنا الأصيلة: «السرقة من الدولة حلال». ومن قال لا أعرف فقد أفتى فقد أفتيت على نفسي الصمت في مواجهة حجته المفحمة، وواصلنا طريقنا، ولدى مرورنا قرب أول صندوق قمامة، أخرج الصديق الكتاب، ألقى نظرة على غلافه، ثم نقله إلى مثواه الأخير في قلب الحاوية الخضراء.

راحت الأيام وأتت الأيام وبعد أكثر من 16 عامًا على هذه الحادثة، اندلعت ثورة في البلاد، تحفظ صديقي على المشاركة في المظاهرات، واستقر أخيرًا كأحد المناصرين الأشداء لتيار بناء الدولة.

تابعنا على تويتر


Top