«كانوا نائمين واستمروا بنومهم.. الموت حينها بلا دم، وبلا صوت»

استنشاق الكيماوي.. شهادات حية لمن عايشوا «المجزرة»

doumaAug2015.jpg

 

حنين النقري

مجزرة تحيي ذكرى مجزرة والمسؤول واحد؛ هذا هو حال الغوطة الشرقية اليوم، أمس، وربّما في الغد.

عندما توجّهنا لنحادث الناس عن مجزرة الكيماوي ومشاهداتهم فيها استغرب العديد منهم، سألوا «لمَ ترغبون بإحياء ذكرى مجزرة والنبش عنها وأيامنا تعجّ بالقتلى، أليس من الأولى الحديث عن آلامنا الجديدة، وقصص شهداء المجزرة الأخيرة؟».

لكن هل يُنسى الموت بمزيد من الموت؟ وهل تقلّل المجازر التي يحياها أهل الغوطة اليوم من «شناعة» مجازر الأمس؟ قد يعتاد الناس الموت وقد يعتاده الضمير العالمي، لكن التاريخ لا يجب أن يعتاده فلا يذكره؛ في مجزرة الكيماوي قُتل ما يزيد عن 1400 إنسان، ماتت عائلات بأكملها ودُفنت معهم قصصهم وغصصهم وشهقات حياتهم الأخيرة، وعن هذا نبحث ولأجله نستمر.

كيماوي.. اصعدوا لأعلى، راجمات.. انزلوا لأسفل

«شعرت بضيق في صدري، الساعة الثانية صباحًا، عزوت الأمر إلى صيف آب وغفوت في غرفتي المطلّة على الشارع العام» هكذا بدأت نوال تتذكر ما جرى ليلة 21 آب 2013. نوال من سكّان مدينة سقبا في الغوطة الشرقية، طالبة جامعية ومعلّمة في مؤسسة تربوية، تخبرنا أنها غفت ساعتين لتستيقظ على أصوات جلبة وحركة كبيرة في الشارع وروائح «غريبة» تفوح في الهواء، وتكمل «كانت في الشارع سيارات تُقلّ عائلات كاملة، ظننت أن نزوحًا جماعيًا يحدث رغم عدم سماعي لصوت قصف عندما دخل أخي المنزل وصاح «النظام ضرب كيماوي، بلا وعي مني بدأت بالسعال الشديد وشعرت بضيق في التنفس».

نظرت نوال إلى الشارع لتشاهد مجموعات من الشباب يُشعلون إطارات سيارات، وعلمت فيما بعد أنها كانت إحدى المحاولات في إبطال أثر الغازات الكيماوية، وتضيف «نادت المآذن تستنجد بالشباب لنجدة الناس في زملكا وعين ترما، وتنوّه إلى الصعود للطوابق العليا اتقاء للكيماوي، كان الأمر غريبًا إذ عادة ما ننزل للطوابق الأرضية في حالات القصف العنيف واليوم يطلبون منا الصعود للطوابق العليا».

والنصائح المتضاربة التي تتحدث عنها نوال كانت سببًا في موت المئات، ممن حسبوا الأمر شبيهًا بالقصف فتوجهوا إلى الأقبية والطوابق السفلية جهلًا منهم، ليلقوا حتفهم هناك.

صعدت نوال وأهلها إلى السطح حيث استمرت مشاهد السيارات التي تحمل ناجين من أطراف زملكا ممن كانوا مفجوعين مذهولين يتحدّثون عن شهداء بالمئات، وتتابع «لم يكن لعقلي أن يحمل أرقامًا كهذه، ظننتها مبالغات وتضخيمًا بسبب هول الموقف، لكن الإنترنت والصور والفيديوهات التي وجدتها حينها بدّدت كل شك لدي بوجود تضخيم، كان الحدث أكبر مما أتخيل بكل تأكيد».

عند السادسة صباحًا بدأ النظام قصفًا من الراجمات وانهالت الصواريخ على الغوطة، تقول نوال «سقط أحد الصواريخ بالقرب من منزلنا، وبطرفة عين وجدنا أنفسنا في الطابق الأرضي، ضاقت الدنيا بنا بين صيحات كيماوي.. اصعدوا للأعلى، راجمات.. انزلوا للأسفل».

وتضيف نوال «1500 روح صعدوا بصمت إلى السماء دفعة واحدة، لطالما قلنا أنه ما من مكترث بالدم، ما من سامع للصوت، لكن الموت حينها كان بلا دم.. وبلا صوت».

لم يرَ النور

استيقظت تقى (18 عامًا) من مدينة دوما لتصلّي الفجر مع شعور بتعب وضيق في التنفس، عاد والدها من المسجد وأخبرهم أن الهواء محمّل بالكيماوي فصعدوا جميعًا إلى السطح، وتقول «كان يومًا عصيبًا، إخوتي الصغار كانوا خائفين للغاية وغير واعين لما يجري، التوتر والخوف سادا المكان والموت كان يحوم حولنا في كلّ لحظة؛ أذكر أن رؤيتي صارت ضبابية مع تضيق الحدقة، لكنني على الأقل رأيت النور بعدها بينما حُرم منه المئات».

آثار الكيماوي لم تظهر في منزل تقى فورًا، فما حسبوه نجاة كلّية لهم كان خلافًا للحقيقة، وتشرح لنا الأمر «والدتي كانت حبلى بشهرها الرابع، كنا ننتظر أخًا لنا بفارغ الصبر والشوق، لكن يبدو أنه رفض القدوم لعالم ملوّث، تأثر حمل والدتي بالكيماوي وخسرت جنينها في اليوم التالي للمجزرة، لا يمكن مقارنة خسارتنا بخسارة العائلات الأخرى لكنني لا أنسى منظر الجنين أبدًا».

الشهيدة تتكلم

هديل، ابنة مدينة دوما وصاحبة 19 عامًا، تتحدث عن مشاهداتها في مجزرة الكيماوي وتقول إنها مهما كانت لا ترقى لما شاهدته وعاينته بشرى، وبشرى عبد الجليل، مسعفة من عربين شاركت بإسعاف المصابين ونقلت مشاهداتها عن يوم المجزرة لصديقاتها لكنها قتلت بعد ذلك في قصف تعرضت له مدينتها، فاستأذنت هديل لتروي حكاية على لسانها معتبرةً أنها «كانت سترويها لو سئلت».

ومما أخبرت بشرى به صديقاتها «مشهد زفاف جماعي إلى الجنة»، وتوضح هديل «دخل الفريق إلى بناء في زملكا فوجدوا كل ساكنيه قد فارقوا الحياة، من بينهم عروس بفستانها الأبيض إلى جانبها عريسها ببدلته، كانت مائدة العرس أمامهما وكانا كالنيام، عرسهما يوم المجزرة وكانت الزفة إلى الجنّة، بصمت».

10 آلاف إصابة بالغاز السام

الطبيب باسل، أحد أطباء غوطة دمشق ممن شهدوا المجزرة في غرف العناية والنقاط الطبية، يقدم شهادته كاملة عنها: «كنت في سهرة مع أصحابي في الساعة الثانية صباحًا عندما سمعنا أصوات صواريخ موجهة، التي تتميز بصفير يتلوه انفجار، لكن هدوءًا غريبًا ساد بعدها؛ في الساعة السادسة عند استيقاظي فوجئت بالجموع تزور النقاط الطبية كيوم الحشر، سيارات تذهب وتأتي بسرعة تحمل أعدادًا هائلة من مصابين يضيق بهم المكان».

عدد أفراد الكادر الطبي الموجود لم يكن كافيًا لمتابعة كل الحالات الواردة للنقطة الطبية التي يعمل بها باسل في دوما، بالإضافة إلى تأثر الكوادر ببعض مخلفات الكيماوي، ويوضح الطبيب «بدأ توافد الإصابات من كافة أنحاء الغوطة في الثالثة والنصف صباحًا، واستمر الإخلاء ووصول مصابين حتى الساعة الثانية عشرة ظهرًا».

يقدّر العدد الإجمالي الواصل إلى مدينة دوما، البعيدة عن مركز الضربة، بحوالي ألفين إلى 2500 مصاب، توفّي منهم 236، ويقول باسل «عرفنا من أعراض ضيق التنفس والتقبّض الحدقي والإقياء وغياب الوعي أن المصابين قد تسمّموا بمركبات الفوسفور العضوية (السارين)، وهنا بدأنا بحماية الكادر الطبي ليتمكن من الاستمرار في إنقاذ الناس عبر تجنيبهم استنشاق الكيماوي بالكمامات البدائية».

«غسلنا كل المرضى بالماء لإزالة الآثار عنهم وتفاديًا للحروق الجلدية، حاولنا إسعاف المرضى الأكثر تأثرًا بتأمين طريق تنفسي لهم بالتنبيب، ثم معاكسة الأثر الناجم عن الكيماوي باستخدام المتوافر من الأدوية كالأتروبين والديكساميتازون ومضادات الإقياء» بحسب الطبيب.

وصُرف ما يزيد عن 5 آلاف أمبولة أتروبين يومها في دوما وحدها، بينما أثّر الغاز على مختلف الأعمار حتى على الحيوانات في مراكز القصف، وعند زيارة باسل للمراكز الطبية في سقبا وحمورية كانت الأعداد في مشفى الإحسان ضعف ما كانت في دوما، الشهداء والأدوية والعجز كل ذلك كان أكثر بكثير.

ومما لا يغيب عن ذهن باسل حتى اللحظة هو أن «القصف الليلي كشف حرمات الكثيرين أثناء نومهم وإسعافهم وهم على تلك الحال، طبعًا ماتت أعدادٌ كبيرة من الناس أثناء نومها كانوا نيامًا واستمروا بنومهم».

«رغم توقعنا المسبق لضربة كيماوية لكننا لم نتصوّرها بهذا الحجم، فحجم الإصابات وأعداد الشهداء فاق التخيّل والاستعداد، وأحصي يومها ما يزيد عن عشرة آلاف إصابة في كافة مراكز الغوطة، استشهد منهم حوالي 1500 إنسان من بينهم كوادر طبية، ويضيف باسل «أذكر منهم الدكتور عبد الرحمن الخطيب، والمسعف بشار المدور، الوفيات كانت كاملة بلا أشلاء ولا دماء، كان الموت على النظيف».

وللأطفال ذكرياتهم أيضًا

في العاشرة من عمرها كانت فلك، من مدينة دوما، عندما عاشت مجزرة الكيماوي، لكنّها تذكرها بكلّ تفاصيلها التي لم يذكرها سواها ممن حادثناهم، تقول «أذكر أنه كان شهر رمضان، كنا عند بيت جدي وعدنا إلى منزلنا بعد السحور، في الشوارع شممنا رائحة غريبة وأخذنا نسعل بشدة، عندما وصلنا إلى البيت وأثناء صلاة أمي بدأت صفارة الإنذار بإعطاء صوت مميز، والجوامع تنادي بالصعود للطوابق العليا، قطعت أمي صلاتها ولفّتنا بشراشف مبتلة، وصعدنا إلى بيت عمّي في الأعلى».

تقول فلك إنهم عاشوا لحظات ضيق شديدة زادها حرص أمّهم على لفّهم بإحكام بالشراشف، وتذكر بدء النظام بالقصف الصاروخي بعدها، موضحةً «في العادة ننزل إلى القبو عند القصف لكننا لم نتجرأ بسبب خوفنا أن يكون البيت قد اختزن الكيماوي، النظام استغل وجود الناس في الطوابق العليا ليموت بالقصف من لم يمت بالكيماوي».

ونادى جار لهم عقب شروق الشمس أن الكيماوي خبا أثره ويمكنهم النزول لمنازلهم، وهنا رمت والدتها جميع الطعام رغم الحصار والصعوبة البالغة في تأمين الأكل، وتضيف الطفلة «حممتنا أمي بمياه معبأة في جالونات وليس في الخزان، كما قام والدي بتنظيف خزان المياه وغسلت أمي جميع ملابسنا، وصنعت لنا بعدها كمامات قطنية من ملابس قديمة خوفًا من أي ضربة لاحقة».

تعتبر فلك أن الله حماهم لأنها كانت «ليلة القدر»، وقد كررت مع أخواتها آية من القرآن «سلام هي حتى مطلع الفجر» ليشعروا بالأمان، لكن ذكرى الكيماوي لم تفارقهم بل صارت هاجسًا عندهم لدى شمّ أي رائحة غريبة، وعن هذا تشرح «شممنا يومًا رائحة مزعجة جدًا فخفنا وصعدت بنا أمي الى السطح، لكن الجيران أكدوا لها عدم وجود كيماوي واستدلوا على ذلك بالعصافير في السماء، كان السرّ أن جارتنا تخبز على قمامة بلاستيكية نشرت الرائحة في الحي كله وأخافتنا بهذا الشكل».

عندما سألنا فلك عن الآلية التي تخيفها أكثر: الكيماوي أم قصف الطيران، أجابت بدون تردد «الكيماوي طبعًا، من الممكن أن يكون الإنسان نائمًا فلا يستطيع أخذ احتياطاته، عندما تغير الطائرة نسمع صوتها فنختبئ، لكن الكيماوي من دون صوت كما أنني أتوقع أن الموت فيه صعبًا وبطيئًا، أما الطائرة فتميت الإنسان بسرعة».

#استنشاق_الكيماوي

أطلق ناشطون من الغوطة الشرقية حملة بعنوان #استنشاق_الكيماوي بالتزامن مع الذكرى الثانية لمجزرة الكيماوي، ويشير المهندس زين العطار منظم الفعالية ومدير فريق عملها، إلى أن التحرك من مجلس الأمن لتحديد الجاني في مجزرة الكيماوي حرّضهم على فكرة الحملة.

وتشمل الحملة عددًا من الفعاليات كحفل يحييه الأطفال ويوجهون في رسالتين، يوضح العطار «رسالة للداخل لرص الصفوف ونبذ الخلاف، ورسالة للخارج للمنظمات الإنسانية والحقوقية، ولعلّ من أهداف الحملة الدفع باتجاه إنشاء لجنة تعمل بشكل أكاديمي وحقوقيّ، مردفًا «للأسف لم يتم العمل على ملف الكيماوي بشكل ممنهج حتى اللحظة، فالمجتمع الدولي على دراية بما حصل لكن الفكرة تكمن في قدرتنا على إثبات الأدلة في المحاكم، إلى الآن لم يقم أحد بالعمل على هذا الإطار».

ويشير العطار إلى أن الفعاليات ستكون في كل من هولندا، وأمريكا، وألمانيا، وفرنسا، وتركيا، والغوطة الشرقية مع نشر بيان مشترك، لكافة الفعاليات المساهمة.

 

 

تابعنا على تويتر


Top