من حلبجة إلى الغوطة.. كيف «يعدم» المجتمع الدولي الكيماوي

محمد رشدي شربجي

عايش السوريون الأسبوع الماضي الذكرى السنوية الثانية لمجزرة الكيماوي الرهيبة في غوطة دمشق، والتي راح ضحيتها مئات الشهداء خلال ساعات قليلة، اجتمع العالم (ممثلًا بالولايات المتحدة وروسيا) وقرر أن المجرم لابد أن يساق نحو العدالة وعليه تم إقرار إعدام السلاح الكيماوي نفسه!

اللافت بعد سنتين من المجزرة أن المجرم ذاته مازال طليقًا، ولا نقصد هنا نظام الأسد الذي أحيا الذكرى بقصف أسواق دوما المكتظة، مخلفًا مرة أخرى عشرات الشهداء، ولكن القصد هو الغاز القاتل (المجرم الحقيقي بنظر المجتمع الدولي)، والذي أثبتت التقارير أن الأسد ما يزال يحتفظ به واستخدمه منذ تلك الحادثة مرات عديدة.

والواقع أن هذا الاستخفاف ليس جديدًا على المجتمع الدولي، فقد تعامل بذات المنطق مع علي حسين المجيد (علي الكيماوي) ابن عم صدام حسين، الرئيس العراقي الأسبق، ففي 16 آذار 1988 قصفت القوات العراقية الأكراد في مدينة حلبجة لتقضي خلال دقائق على أكثر من 5000 آلاف إنسان، وقد كان ذلك الهجوم حلقة واحدة من حلقات معارك الأنفال التي أطلقها صدام حسين لإخضاع المقاتلين الأكراد والتي انتهت بقتل أكثر من مئة ألف كردي وتدمير آلاف القرى وتهجير الملايين.

ماذا فعل المجتمع الدولي حينها مع صدام حسين؟ لم يفعل شيئًا، فمصالحه كانت مع صدام حسين ضد إيران، ولم يتدخل بحظر جوي فوق كردستان العراق إلا في إطار حرب الخليج الثانية بعدها بثلاث سنوات، ولاعتبارات لا علاقة لها بجرائم صدام من قريب أو من بعيد.

ومما يجدر ذكره أن هناك تشابهًا آخر بين المجزرتين، وهو أنها كشفت عقم الأيديولوجية والخلل الأخلاقي الكبير في عالمنا العربي، فما يزال حتى الآن كثيرون (ومنهم بالمناسبة ضحايا مباشرين لمجزرة بشار الأسد الكيماوية) يدافعون عن صدام حسين (أسد السنة أو أسد العرب بحسب المتحدث) بأن المجزرة من تنفيذ القوات الإيرانية والكردية وليس العراقية، بل إن بعضهم يذهب أبعد من ذلك فيعتبر أن الأكراد يستحقون ذلك (مرة أخرى من هؤلاء ضحايا مباشرين لمجزرة بشار الأسد الكيماوية) لأنهم قد رحبوا بالقوات الإيرانية وسعوا إلى تقسيم العراق.

وذات الأمر نراه في المجزرة السورية، فما يزال موقف هيئة التنسيق (المعارضة) حتى الآن ممثلة بناطقها الرسمي منذر خدام يتهم المعارضة المسلحة في الغوطة الشرقية بتنفيذ الهجوم الكيماوي، وهو نفس موقف التيارات القومية العربية ومن لف لفها ممن صدعوا رؤوسنا بهراء الممانعة، حتى الأكراد أنفسهم لاعتبارات سياسية وبراغماتية هناك تيارات منهم داعمة لنظام الأسد.

ومن الاختلافات بين الحالتين الطريقة التي اعتمدها الضحايا لإثارة القضية، ففي الحالة الكردية اعتمد الأكراد تقليدًا ما يزال معمولًا به حتى اليوم، يتمثل بتوقف الحركة في أرجاء كردستان كلها في الساعة 11:27 صباحًا (التوقيت الذي شنت به القوات العراقية الهجوم)، كما تجري مهرجانات كبيرة وحراك مكثف لإحياء الذكرى سنويًا، في حين أننا لم نجد في الحالة السورية حراكًا مشابهًا بهذه الكثافة للأسف.

ليس هنالك ما يخدم تنظيم الدولة أكثر مما يسمى «الحرب على تنظيم الدولة»، ففي غضون ليلة وضحاها جمعت أمريكا تحالفًا عسكريًا من ستين دولة لتباشر ودون استئذان من أحد، قصف تنظيم الدولة بعد تمكنه من السيطرة على أجزاء من العراق، في حين أنها لم تفعل شيئًا من ذلك ضد الأسد (أستاذ البغدادي ومعلمه في فن الإجرام) قبلها بعام، وفوق ذلك فإنها تشترط على المعارضة أن تقاتل تنظيم الدولة فقط، بل وتسعى لإقناعها بالتحالف معه ضد داعش.

في سوريا والعراق، ارتكب البعث ذات الجرائم بذات الأدوات، مرة وهو في السلطة ومرة في شكل تنظيم الدولة وتعامل المجتمع الدولي مع كل هذا بنفس المنطق.

في العراق ذهب صدام وبقيت حلبجة، وفي سوريا سيذهب الأسد وتبقى دوما شاهدة على سقوط الإنسانية فينا.

تابعنا على تويتر


Top